الأقسام الدراسية فقدت دورها أعتبر، بصفتي رجل تعليم سابقا، أن الساعات الإضافية تحولت، خلال السنوات الأخيرة، من وسيلة محدودة لمساعدة بعض التلاميذ المتعثرين، إلى ما يشبه "نظاما تعليميا موازيا" فرض نفسه بقوة داخل المجتمع المغربي، خاصة مع اقتراب الامتحانات الإشهادية، والأخطر بالنسبة إلي ليس فقط انتشار الظاهرة، بل حالة التطبيع التي أصبح المجتمع يتعامل بها معها، سواء من قبل الأسر أو التلاميذ، الذين صار عدد كبير منهم يعتقد أن النجاح الدراسي مرتبط أساسا بـ"السوايع" أكثر من ارتباطه بما يقدم داخل الفصول الدراسية. وألاحظ، من خلال متابعتي للشأن التربوي، أن عددا من التلاميذ أصبحوا يدخلون إلى الأقسام بعقلية مفادها أن الشرح الحقيقي سيتم لاحقا خلال حصص الدعم المؤدى عنها، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى التركيز والتفاعل داخل الحصص الرسمية، وأضعف تدريجيا دور المدرسة في التكوين والتحصيل. كما أن بعض الأسر أصبحت تتعامل مع الدعم التربوي باعتباره أمرا إجباريا وليس اختياريا، رغم ما يفرضه عليها من أعباء مالية ثقيلة، لدرجة أن هناك أسرا فقيرة تضحي بمصاريف أساسية من أجل توفير "السوايع" لأبنائها خوفا من الفشل أو ضعف النتائج.وفي نظري، فإن استمرار هذا الوضع يهدد بشكل واضح مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ، لأن جودة التحصيل الدراسي أصبحت، في حالات كثيرة، مرتبطة بالقدرة المالية للأسر، وهو ما يعكس تراجعا مقلقا في ثقة المجتمع في قدرة المدرسة على القيام بأدوارها التربوية بالشكل المطلوب. (رجل تعليم متقاعد بالقصر الكبير) خوف من الفشل أنا أم لثلاثة أبناء يتابعون دراستهم بمؤسسات عمومية، وأعيش، مثل عدد كبير من الأسر البسيطة، ضغطا كبيرا مع اقتراب الامتحانات الإشهادية، لأن مصاريف "السوايع" أصبحت تثقل كاهلنا بشكل يفوق قدرتنا المادية، لكن رغم ذلك أجد نفسي مضطرة لتوفيرها لأبنائي خوفا على مستقبلهم الدراسي، خاصة بعدما أصبح أغلب التلاميذ يعتمدون على الدعم التربوي خارج المدرسة، لدرجة أن الابن الذي لا يتابع ساعات الدعم الإضافية يشعر وكأنه متأخر عن زملائه. ففي كل سنة، أضطر إلى إعادة ترتيب مصاريف البيت من أجل توفير واجبات الدعم، حيث أؤجل في بعض الأحيان شراء بعض الحاجيات الأساسية، وفي أحيان أخرى ألجأ إلى الاستدانة، فقط حتى لا يشعر أبنائي بالنقص مقارنة بباقي التلاميذ. كما أنني، كأم، أصبحت أعيش خوفا دائما من أن يؤثر عدم تسجيل أبنائي في "السوايع" على نتائجهم، خصوصا مع الحديث المتكرر بين الأسر عن أهمية هذه الحصص في فهم الدروس والاستعداد للامتحانات. كما ألاحظ أن عددا من التلاميذ صاروا يعتمدون بشكل أكبر على ما يتلقونه في حصص الدعم، أكثر من اعتمادهم على ما يقدم داخل القسم، وهو ما جعلني أعتبرأن هذه العملية جزء أساسي من الدراسة وليس مجرد مساعدة إضافية. ورغم أنني أتمنى أن يتمكن أبنائي من التحصيل داخل المدرسة فقط، فإن الواقع الحالي يجعلني أشعر أن التخلي عن الدعم التربوي قد يضعهم في وضعية صعبة مقارنة بزملائهم، لذلك أواصل التضحية قدر الإمكان، لأن همي الأول هو أن ينجح أبنائي ويحصلوا على مستقبل أفضل. (مستخدمة بطنجة) استقاهما: المختار الرمشي (طنجة) عبء مادي ونفسي أكد سالم بونوارة، إطار تربوي، أن سوق “الساعات الإضافية” يشهد خلال السنوات الأخيرة رواجا متزايدا، بعدما أقبل التلاميذ بشكل كبير على حصص الدعم الفردية والجماعية، بحثا عن تقوية التحصيل الدراسي وتجاوز التعثرات التي تواجههم داخل الفصول الدراسية. وأوضح أن الأسر المغربية أصبحت تلجأ بشكل متواصل إلى الدروس المؤدى عنها استعدادا للامتحانات، بعدما لم تعد مقتصرة على الأسر الميسورة أو المتوسطة، بل امتدت حتى إلى الأسر ذات الدخل المحدود التي تكابد يوميا من أجل توفير مصاريف العيش والدراسة لأبنائها، وأضاف بونوارة أن الساعات الإضافية تحولت إلى عبء مادي ونفسي يرهق الآباء والتلاميذ معا، خاصة مع ارتفاع تكاليفها وتزايد الضغط الدراسي الذي يفرض على التلميذ ساعات طويلة من المتابعة والمراجعة، ما يؤثر أحيانا على راحته النفسية والجسدية. كما أشار إلى أن بعض الأسر تضطر إلى التضحية بجزء مهم من دخلها خوفا من تراجع مستوى أبنائها أو فشلهم في الامتحانات، وشدد الخبير التربوي على ضرورة ضمان تكافؤ الفرص بين التلاميذ، وحماية المدرسة العمومية من الممارسات التي تمس بصورة الأستاذ ورسالته التربوية داخل المجتمع. وأكد أن معالجة الظاهرة تقتضي تحسين جودة التعليم العمومي، وتقليص الاكتظاظ داخل الأقسام، وتعزيز آليات المواكبة التربوية بالمؤسسات التعليمية، حتى لا تتحول الدروس الخصوصية إلى شرط أساسي للنجاح الدراسي، أو وسيلة تكرس الفوارق الاجتماعية بين التلاميذ، وتعمق معاناة الأسر البسيطة. (إطار تربوي) طوق نجاة أكد عبد الوهاب بلفاطر، الخبيرالتربوي، أن اللجوء إلى الساعات الإضافية لم يعد مقتصرا على التلاميذ المتعثرين الباحثين عن عتبة النجاح، بل تحول إلى هاجس يؤرق حتى المتفوقين الطامحين إلى تحقيق أعلى المعدلات، من أجل ضمان مقاعدهم في المدارس والمعاهد العليا، وأوضح أن هذا الطموح الممزوج بقلق الامتحانات يجعل من حصص الدعم المدرسي “طوق نجاة” يلجأ إليه الآباء والأمهات، مهما كانت التكاليف، إذ يقتطعون أجزاء مهمة من ميزانية الأسرة المنهكة أصلا، أملا في توفير قدر أكبر من الاطمئنان النفسي والمعرفي لأبنائها. وأضاف بلفاطر، أن مراكز الدعم المدرسي والأساتذة الخصوصيين يعيشون، مع اقتراب الامتحانات الإشهادية، ما يشبه “الذروة الموسمية”، حيث تمتلئ الجداول الزمنية للأساتذة وترفع لافتات “كامل العدد” في عدد من المراكز، وكأي سوق يخضع لمنطق العرض والطلب، ترتفع أسعار الساعات الإضافية بشكل لافت، خصوصا في المواد العلمية والتقنية، مثل الرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة والأرض، لتتحول بعض الحصص الفردية والمراجعات المكثفة إلى خدمات باهظة التكلفة. وأشار بلفاطر إلى أن سوق الساعات الإضافية بات مرآة تعكس اختلالات المنظومة التعليمية وقلق الأسر المغربية على مستقبل أبنائها، مؤكدا أن الحل الحقيقي يظل رهينا بإصلاح شامل يضمن جودة التعليم داخل المدرسة العمومية ويحقق تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ. (خبير تربوي) استقاهما: عبد الجليل شاهي (أكادير) أسرة تدفع الثمن أصبحت ظاهرة الساعات الإضافية موضة هذا العصر، بعدما استفحلت بشكل مرعب خلال السنوات الأخيرة، وأضحت من بين التحديات الكبرى التي تنخر أجساد الأسر المغربية المعاصرة، في ظل الارتفاع المهول لتكاليف الدعم المدرسي، خاصة في المواد العلمية. حالة اليوم تجسد معاناة أب اضطر إلى بيع سيارته الخاصة، وتكبد عناء التنقل اليومي إلى عمله عبر حافلتين للنقل الحضري، فقط من أجل تسديد مصاريف سنة كاملة من الساعات الإضافية لابنته، والتي تصل إلى حوالي 2000 درهم شهريا. وبين غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وجد هذا الأب نفسه مجبرا على التضحية والصبر، أملا في ضمان استفادة ابنه من الدعم في المواد العلمية، خصوصا أن بعض الأساتذة يعمدون، حسب تعبيره، إلى عدم شرح الدروس بالشكل المطلوب داخل الفصول الدراسية، رغبة منهم في استغلال الوضع ودفع التلاميذ بشكل غير مباشر نحو الساعات الإضافية. معاناة هذا الأب مع أعباء الحياة اليومية خلقت هوة كبيرة داخل أسرته، بعدما تغير روتين حياته بشكل كامل، وأصبح يتأخر لساعات طويلة بسبب مشقة التنقل عبر وسائل النقل الحضري، ليعود إلى بيته منهكا فاقدا للطاقة، سرعان ما يخلد إلى النوم دون أي تواصل حقيقي مع زوجته وأبنائه. وأمام هذا الوضع الجديد، بدأت الأسرة تفقد توازنها شيئا فشيئا، إلى أن وصلت الأمور إلى حد دخول الزوجة في صراع دائم مع الزوج، بعدما أصبحت تشعر بانعدام الأمان والاحتواء العاطفي، واعتبرت زوجها حاضرا غائبا داخل البيت. وضع تسبب في تفكك أسري وأزمة نفسية خانقة لهذه الأسرة، التي وجد نفسها تدفع ثمنا باهظا من استقرارها، مقابل ضمان مستقبل دراسي للابنة التي كانت تستعد لاجتياز امتحانات البكالوريا. (مديرة مركز ومضة نيوز) استقاها: عبد الله غيتومي (الجديدة)