حين يصبح الزواج وظيفة بلا راتب عاطفي يجلس إلى مائدة العشاء، كما يجلس موظف متقاعد أمام إدارة أغلقت شبابيكها منذ سنوات، ويحرك الملعقة داخل الصحن ببطء، ليس لأنه جائع، بل لأنه يحاول إقناع نفسه بأن في الحياة ما يستحق المضغ. زوجته أمامه، تحفظ تفاصيل حركاته، أكثر مما يحفظ السجين عدد قضبان زنزانته، لكنه، رغم ذلك، صار ينظر إليها كما ينظر إلى ساعة حائط قديمة، فهي موجودة دائما، لكن لا أحد يرفع رأسه ليتأكد من الوقت. اسمه لا يهم كثيرا، فالرجال الذين يصابون بملل الزواج يفقدون أسماءهم بالتدريج، ويصبحون نسخا متشابهة من التعب. كانوا، في البداية، عشاقا، ثم تحولوا إلى شريكين في إدارة مؤسسة منزلية صغيرة: فواتير، وأطفال، ومواعيد نوم، وأسئلة مكررة من نوع: “هل اشتريت الخبز؟”. كان يعتقد أن الخيانة تبدأ بامرأة أخرى، قبل أن يكتشف أنها تبدأ غالبا من الصمت، ففي كل صباح، يغادر المنزل، كما يغادر ممثل مسرح الخشبة بعد عرض فقد جمهوره، حينها يضع عطره بعناية، لا لأن أحدا ينتظره، بل لأن الإنسان حين يفقد شغفه الحقيقي يتشبث بالتفاصيل الصغيرة، مثل غريق يتعلق بخشبة. أما في العمل، فيضحك أكثر من اللازم، وفي البيت، يكتفي بهز رأسه، إذ صار الاقتصاد في الكلام أسلوب نجاته الوحيد. زوجته لم تكن سيئة، وتلك هي المأساة الحقيقية، إذ لم تخنه، ولم تصرخ كثيرا، ولم تحطم الأطباق، ولم تتحول إلى وحش درامي، كما في المسلسلات، بل كانت امرأة استهلكها الروتين، حتى أصبحت تؤدي الحب كما تؤدى الصلوات: حركات محفوظة بلا رجفة. وكان هو أيضا شريكا في الجريمة. الملل الزوجي لا يدخل البيوت فجأة، بل يتسلل مثل الرطوبة... بطيئا، وصامتا، وماكرا، إذ يبدأ من تأجيل قبلة، ثم من تحويل الحوار إلى تعليمات، ثم من نوم ثقيل بلا أحلام، حتى يصبح الزوجان مثل دولتين بينهما هدنة طويلة لا حرب فيها ولا سلام. صار الرجل يطيل النظر إلى الغريبات، ليس رغبة في الخيانة دائما، بل بحثا عن ذلك الجزء الضائع من نفسه، وكان يراقب النساء اللواتي يضحكن بعفوية في المقاهي، فيشعر أن الضحك نفسه أصبح كائنا منقرضا في بيته، حتى المرآة خانته، وصار يرى في وجهه موظفا عاطفيا أنهكه الدوام الطويل. وفي المساء، حين يعود إلى البيت، يسمع صوت التلفاز أكثر مما يسمع نبض الحياة، فالأطفال يركضون، والهاتف يرن، والأطباق تغسل، والوقت يمر، مثل موكب جنائزي بطيء. أما الحب، ذلك الكائن الذي كان يشتعل من رسالة قصيرة، فقد تحول إلى قطعة أثاث موضوعة بعناية في زاوية البيت… لا أحد يلمسها، ولا أحد يجرؤ على رميها. كان يخاف الطلاق، لا لأنه يحب كثيرا، بل لأن العمر حين يتقدم يصبح جبانا، والرجال بعد الأربعين لا يبحثون دائما عن الحب، بل عن أقل قدر ممكن من الخراب. وفي ليلة متأخرة، بينما كانت زوجته نائمة بجواره، أدرك فجأة أن أكثر العلاقات حزنا ليست تلك التي تنتهي بالصراخ، بل تلك التي تستمر رغم موتها، حينها شعر أن السرير واسع مثل صحراء، وأن المسافة بين جسدين قد تكون أبعد من المسافة بين قارتين. أطفأ الضوء، ثم استلقى بصمت. كان يشبه مدينة قديمة ما زالت مضاءة، رغم أن سكانها غادروها منذ زمن. خالد العطاوي