حركية استثنائية مرتبطة بتقطيع الأضاحي وتنظيف "الدوارة" وتهيئة الرؤوس والجلود تتحول الأضحية في المدن المغربية، من مجرد شعيرة دينية إلى محرك اقتصادي موسمي يفتح أبواب الرزق أمام فئات واسعة، إذ لا تتوقف الحركة عند بيع الأغنام، بل تمتد إلى خدمات ما بعد الذبح التي تنشط بشكل لافت داخل الأحياء والأسواق الشعبية، فمع الساعات الأولى للعيد، تنبعث حركية استثنائية مرتبطة بتقطيع الأضاحي، وتنظيف “الدوارة”، وتهيئة الرؤوس والجلود، لتتحول الأزقة إلى ورش مفتوح يعج بالعمال الموسميين والحرفيين الذين يجدون في المناسبة فرصة لتعويض شهور من الركود وتحقيق دخل إضافي. فبمجرد الانتهاء من عملية النحر، تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بخدمات تقطيع الأضحية وتهيئة “الدوارة” وتنظيف الأحشاء وإعداد رؤوس الأضاحي للشواء، وهي خدمات أصبحت تحظى بإقبال متزايد في السنوات الأخيرة، خصوصا داخل المدن الكبرى، حيث تغير نمط العيش، وضيق الوقت، وغياب الخبرة لدى بعض الأسر في التعامل مع تفاصيل الذبح التقليدي، كلها عوامل دفعت الكثيرين إلى الاستعانة بأشخاص متخصصين مقابل مبالغ مالية تختلف حسب طبيعة الخدمة وحجم الطلب. ويجد عدد من الشباب والعاملين الموسميين في هذه المناسبة بابا واسعا للرزق، إذ ينتشر “الجزارون الموسميون” داخل الأحياء حاملين سكاكينهم وأدواتهم، يعرضون خدمات التقطيع والتجهيز، فيما يشتغل آخرون في تنظيف الجلود وتجفيفها أو جمع مخلفات الذبح ونقلها، وهي مهام تتحول خلال أيام العيد إلى مصدر دخل حقيقي لفئات واسعة، خاصة من ذوي الدخل المحدود. كما تعرف خدمات شي رؤوس الأضاحي رواجا كبيرا، حيث تنبعث روائح الفحم والنار في الأزقة والساحات، ويصطف المواطنون أمام محلات وأفران تقليدية أعدت خصيصا لهذا الغرض. وتزداد التكلفة كلما تعددت الخدمات المطلوبة، إذ تختلف الأسعار بين مجرد التقطيع البسيط وبين تنظيف “الدوارة” أو إعداد الرأس والكوارع وتهيئتها للطبخ، ما يجعل من عيد الأضحى موسما اقتصاديا قائما بذاته. ولا تتوقف الحركية عند هذا الحد، بل تمتد إلى منظفي الجلود الذين يجوبون الأحياء لجمع جلود الأضاحي أو تنظيفها وتهيئتها للاستعمال أو البيع، في حين ينشط أشخاص آخرون في جمع النفايات ومخلفات الذبح مقابل مبالغ رمزية، مساهمين بذلك في تخفيف العبء عن الأسر والجماعات المحلية، خصوصا في ظل الكميات الكبيرة من المخلفات التي تنتج خلال أول أيام العيد. وتكشف هذه الأنشطة الموازية حجم الاقتصاد غير المهيكل الذي يرافق عيد الأضحى، إذ تتحول المناسبة الدينية إلى دورة اقتصادية موسمية متكاملة، توفر فرص شغل مؤقتة لآلاف الأشخاص، ورواجا داخل الأسواق الشعبية ومحلات الفحم والسكاكين والتوابل والأفران التقليدية ووسائل النقل الصغيرة. ورغم الطابع الاحتفالي والديني للعيد، فإن الوجه الاقتصادي للمناسبة يظل حاضرا بقوة، إذ يشكل “ما بعد الذبح” بالنسبة لكثيرين موسما للرزق وفضاء لتبادل الخدمات، في صورة تعكس كيف تتحول الأضحية في المغرب إلى محور لحركية اجتماعية واقتصادية واسعة تتجاوز حدود الشعيرة الدينية نحو شبكة كاملة من المهن والخدمات الموسمية. عبد الجليل شاهي (أكادير)