مجتمع

نزوح جماعي إلى الشواطئ خلال الإفطار

أسر وشباب يختارون إنهاء يوم الصيام على نسائم البحر

جماعات تفترش ملاءات خفيفة، وأخرى تحلقت حول موائد وجدت لها مكانا ثابتا بين حبات الرمل، فيما الصبية يلعبون هنا وهناك، بينما الشمس تشرف على المغيب، وتداعب أقدامهم مياه بحر يحضنهم جميعا، في بداية مساءات شهر الصيام. فرمضان هذا العام صارت له نكهة خاصة، بعد أن اختار العديد من سكان العدوتين وحتى من يقطن بجارتهما، تمارة، إنهاء يوم الصيام على نسائم البحر.

إنجاز: هجر المغلي وتصوير (عبد المجيد بزيوات)

العادات الجديدة للمغاربة، جعلت شواطئ سلا والرباط والهرهورة، تمتلئ عن آخرها بعشرات الهاربين من حر الطقس، والراغبين في الاستمتاع بهواء البحر في رمضان المبارك، الذي تزامن هذه السنة مع حلول العطلة الصيفية، فكانت النتيجة نزوحا جماعيا الغرض منه تناول طعام الإفطار، في أجواء عائلية رمضانية على شاطئ البحر تمتد لساعات، بعيد العصر، وحتى ساعات متأخرة من الليل

نزوح جماعي

ساعة قبل الإفطار تنطلق “قوافل” من المغاربة، وتتسارع الأرجل صوب أقرب شاطئ في مشهد لم يألفه سكان العدوتين قبل هذه السنة. الجميع، صغيرا وكبيرا، يحمل ما تيسر له من طعام وأفرشة ويسارع الخطى صوب شاطئ، بدا أن زواره في هذا الشهر الفضيل في ازدياد وإن كانوا غيروا مواعد الزيارة من الصباح إلى المساء.
فسواء تعلق الأمر بشاطئ سلا، أو الرباط، أو الهرهورة وحتى الشواطئ الصغرى الممتدة بينهما، غدت جميعها أقرب إلى منتزهات عائلية، تتحول بعد عصر كل يوم إلى ما يشبه موائد الرحمان، تصغر وتكبر حسب عدد الأسرة الواحدة أو الأصدقاء الذين يلتئمون حولها.
“عالله غير نلقاو شي بلاصة مزيانة”، تخاطب أم أربعينية ابنتها التي تحمل كيسا بلاستيكيا تظهر منه قنينات ماء بارد، فيما الأم تجر حقيبة “كادي”، تصر ألا يساعدها على جرها ابنها البكر، مخافة أن يصيبه أذى جراء سخونة الطعام، أو أن يسكب ما بداخله. يسارع الثلاثة الخطى، كأنهم في سباق “سري” مع راجلين غيرهم، يقصدون الوجهة ذاتها، فيما عيونهم ترقب شاطئ سلا الذي بدا قريبا، لكنه مكتظ بالعشرات من “الزوار” الجدد، وموقف السيارات الخاص به ممتلئ هو الآخر عن آخره.
لا تتردد الأم وطفلاها كثيرا قبل اختيار مكان يتوسط عائلات وأسر اختارت هي الأخرى إنهاء يوم الصيام على الشاطئ، وهي ترقب قرص الشمس يتوارى وسط الأمواج، ترتب أفرشتها وتشرع في وضع ما جلبته معها من أطعمة، فيما طفلاها التحقا راكضين بأطفال آخرين، يلعبون ومنهم من يسبح.

تغيير “الروتين”

“بلا تردد، وافقت مباشرة على طلب زوجتي تناول وجبة الإفطار على شاطئ البحر”، يقول عز الدين، موظف وأب لثلاثة أطفال، أتوا جميعهم بمعية أصدقائهم لتناول وجبة الفطور بشاطئ الهرهورة. فهذه ليس المرة الأولى التي تخرج فيها أسرة عز الدين للإفطار على الشاطئ، “سبق أن قدمنا نهاية الأسبوع الماضي أيضا، كانت أول مرة بصراحة، واستحسنا الأمر كثيرا، سيما أن الإفطار وسط مثل هذه الأجواء مختلف تماما وله نكهة مميزة، لهذا السبب دعونا جيراننا لنتشارك المتعة”.
اختيار عز الدين الإفطار على الشاطئ، كما غيره من عشرات المغاربة الذين تتزايد أعداد الوافدين منهم على الشواطئ يوما عن آخر، مرده ليس فقط ارتفاع درجات حرارة الطقس، بل هو أيضا فرصة للقطع مع الروتين “سئمنا في الواقع إفطارات المنازل، واخا نكونوا معروضين أو عارضين على شي حد”، تقول زوجة عز الدين دون أن تتوقف عن ترتيب ما استقدمته من أوان وأطعمة فوق مائدة تكترى بالشاطئ، مستطردة “حتى الإفطار بالمطاعم، فقد نكهته وما عاد ممتعا كثيرا”، لترد صديقتها “الإفطار على البحر ومشاهدة لحظة غروب الشمس له طعم مختلف عن الإفطار في أي مكان آخر، إضافة إلى أن سعادة الأطفال الذين يلعبون بحرية، كل ذلك يجعلنا نقضي لحظات خاصة”.

“الحريرة حاضرة”

على طول الموائد الممتدة، والأفرشة المبسوطة على الرمال، ومهما اختلف عدد أفراد الأسرة أو الأصدقاء، يبدو أن المغاربة غير قادرين على التخلي عن عادتهم الغذائية خلال شهر الصيام بسهولة. عادات تظل صامدة، كان الإفطار داخل البيت أو خارجه، لا بد ل”الحريرة” سيدة موائد رمضان، وحلوى “الشباكية” و”المخرقة” أن تجد لها مكانا وسط كل الشهيوات المغربية الأخرى.
“الحريرة ضرورية، مايمكنش مانشربهاش فالفطور”، يقول أنس، شاب عشريني، موضحا أنه يتكفل بإحضار آنية كبيرة (كوكوط) من الحريرة والتمر، كلما قرر  وأصدقاؤه الإفطار في الشاطئ، فيما يتكفل آخرون بإحضار مأكولات أخرى من “مسمن” و”شباكية”، وبيض مسلوق، و”بطبوط معمر”، تجد لها مكانا أيضا في جميع “موائد” زوار الشاطئ. موائد لا تخلو من مختلف أنواع الفواكه الموسمية والعصائر أيضا، منزلية الصنع أو المعلبة.

مرح ولهو

تقترب عقارب الساعة من الثامنة إلا ربع، فتنطلق منبهات الهواتف حينا، وأصوات الأذان أحيانا أخرى، معلنة بذلك عن ساعة الإفطار، فيهمس الجميع بدعوات تقبل الصيام، ويشارك آخرون أطعمتهم مع “جيرانهم”، ويقدم التمر والحلويات، لمن لم يسعفه الحظ في أن يصل في وقت مبكر وبالتالي ما يزال منشغلا بترتيب مكان يفطر فيه.
وبمجرد أن يفرغ الجميع من تناول وجبة الإفطار، تنطلق ساعات السمر الليلي، فبينما يعود الأطفال إلى اللعب، يختار بعض الشباب السباحة، أو لعب كرة القدم، وبعضهم يتحلق في دوائر، يعزف أحدهم على الكيتار، بينما يردد آخرون أغاني شبابية، فيما ينشغل الأكبر سنا في ألعاب الورق أو “الضاما”،  وآخرون يكتفون بتبادل أطراف الحديث تتخللها أحيانا نكت طريفة تصيب الجميع بنوبات من الضحك، لا تنقطع إلى ساعات متقدمة من الليل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق