حوادث

عيوب مسطرة التكفل بالأطفال المهملين

تعتبر من أطول المساطر القضائية خاصة حينما يكون والدا الطفل مجهولين

بقلم: ارشوق حسن *
بقلم: ارشوق حسن *

يرى حسن أرشوق، منتدب قضائي، أن مسطرة التكفل بالطفل المهمل، تعتبر بحق من أطول المساطر القضائية  على الإطلاق، خاصة حينما يكون والدا الطفل مجهولين….

يستمد الموضوع أهميته من تنامي ظاهرة الأطفال المهملين في جل المدن المغربية. بل امتدت الظاهرة لتشمل البوادي كما الحواضر.
وبالرجوع إلى  الظهير الشريف رقم 1.02.172 صادر في فاتح ربيع الآخر 1423 (13 يونيو 2002) بتنفيذ القانون رقم 15.01 المتعلق بكفالة الأطفال المهملين نجده  ينص في بابه الاول على ما يلي :
يعتبر مهـملا الطفل من كلا الجنسين الذي لم يبلغ سنه ثماني عشرة سنة شمسية كاملةإذا وجد في إحدى الحالات التالية :
إذا ولد من أبوين مجهولين، أو ولد من أب مجهول وأم معلومة تخلت عنه بمحض إرادتها.
إذا كان يتيما أو عجز أبواه عن رعايته وليست له وسائل مشروعة للعيش.
إذا كان أبواه منحرفين ولا يقومان بواجبهما في رعايته وتوجيهـه من أجـل اكتساب سلوك حسن، كما في حالة سقوط الولاية الشرعية، أو كان أحد أبويه الذي يتولى رعايته بعد فقد الآخر أو عجزه على رعايته منحرفا ولا يقوم بواجبه المذكور إزاءه.
ويعتبر الإطار القانوني المنظم لمسطرة التكفل بالطفل المهمل حديث العهد نسبيا أي 13 سنة بالتمام والكمال. إذا ما قورن ببعض الترسانات القانونية الأخرى التي سنحتفل بالذكرى المائوية لصدورها بعد عامين من الآن (ظهير 1917 المتعلق بالمحافظة واستغلال الغابات مثلا). هذه المدة تسمح لنا بالتأكيد بدراسة هذه المسطرة وكشف بعض عيوبها.
وتختلف نسبيا وتطول مسطرة التكفل بالطفل المهمل حسب الحالات التي يكون فيها والدا الطفل معروفين من عدمه. أو الأم معروفة والأب مجهول. وفي الحالة الأولى ؛ أي التي يكون فيها أبوا الطفل معروفين وأبديا رغبتهما في التخلي عنه، فإنهما يصرحان بذلك أمام الضابطة القضائية ويحرر محضر بالمناسبة، أو يحرران التزاما بالتخلي ويصححان إمضاءهما لدى السلطة المختصة. آنذاك يحال الالتزام أو المحضر على وكيل الملك الذي يرفع ملتمسا إلى رئيس المحكمة الابتدائية لإصدار حكم قضائي بأن هذا الطفل طفل مهمل. فتصدر المحكمة  حكما نهائيا بهذا الخصوص في غضون أسبوع أو أسبوعين.آنذاك تقدم طلبات التكفل بهذا الطفل من طرف المرأة الراغبة في ذلك، أو من طرف الزوجين المسلمين أو مؤسسةلرعاية الطفولة إلى السيد القاضي المكلف بالأحداث وشؤون القاصرين لدى المحكمة الابتدائية التي عثر فيها على هذا الطفل. ويرفق الطلب بمجموعة من الوثائق لعل أهمها نسخة من السجل العدلي للسوابق القضائية لطالبي الكفالة (الذي يجب أن يكون خاليا من أي جريمة ماسة بالأطفال أو الأخلاق العامة) وشهادة طبية تثبت خلوه من الأمراض المعدية، ونسخة موجزة من عقد الازدياد، ونسخة من بطاقة التعريف الوطنية، وتصريح بالدخل، ثم شهادة السكنى.
الوثائق نفسها مرفوقة بطلب التسليم المؤقت يمكن الإدلاء بها للسيد وكيل الملك قبل انتظار صدور الحكم. تخول (بعد إجراء بحث سري) لصاحبي الطلب أن يتسلما مؤقتا هذا الطفل إلى حين إسناد الكفالة لهما نهائيا أو إيجاد متكفل آخر.
أما الحالة الثانية التي يتم فيها العثور على طفل رضيع مثلا مجهول الأبوين. فتعتبر الأطول من ناحية الوقت. حيث بمجرد العثور على الطفل يتم وجوبا تحرير محضر قانوني من طرف الضابطة القضائية  تبين فيه ظروف العثور عليه. ويرفع إلى وكيل الملك الذي يصدر تعليماته  إلى مدير المستشفى بالمكان الذي عثر عليه فيه أن يقوم بتحديد عمر الطفل بشكل تقديري. ثم توجه تعليمات إلى رئيس الجماعة المحلية لمكان العثور على الطفل لموافاة النيابة العامة بشهادة عدم التسجيل في الحالة المدنية وأيضا شهادة الحياة لهذا الطفل. فيأمر بإيداع الطفل مؤقتا بمؤسسة صحية أو يسند الكفالة مؤقتا لمن طلب ذلك إلى حين العثور على متكفل نهائي. في الوقت نفسه يحرر ملتمسا إلى رئيس المحكمة لاستصدار حكم بالتسجيل في الحالة المدنية يختار فيه اسما للأب (ويكون من أسماء العبودية : عبد الله، عبد الغفور … واسم الأم فاطمة أو فاطمة الزهراء …) مرفقا بمحضر الضابطة القضائية المنجز في الموضوع، والشهادة الطبية المسلمة له من طرف المستشفى كما ذكرنا، ثم بشهادتي عدم التسجيل في الحالة المدنية وشهادة الحياة لهذا الطفل. وبعد مراقبة سلامة هذه الوثائق تصدر المحكمة حكما بالتسجيل في الحالة المدنية وتترك المجال للنيابة العامة لتنفيذ الحكم. أما إذا حدد عمر الطفل المعثور عليه في أقل من شهر فإن ممثل النيابة العامة يأمر مباشرة بتسجيله في سجلات الحالة المدنية دون إقامة الدعوى.
بعد صدور الحكم يقوم مجددا وكيل الملك برفع ملتمس إلى رئيس المحكمة لاستصدار حكم تمهيدي بأن هذا الطفل طفل مهمل. ويرفقه بنسخة موجزة من عقد الازدياد  لهذا الطفل وبنسخة من محضر الضابطة القضائية  المنجز في الموضوع.  وبعد الاطلاع على الوثائق تصدر المحكمة حكما تمهيديايقضي بأن هذا الطفل مهمل وتأمر بتعليق نسخة منه لمدة ثلاثة أشهر لدى الجماعات والسلطة المحلية المجاورة لمكان العثور عليه. وتترك المجال للنيابة العامة للسهر على تنفيذ مقتضيات الحكم.
خلال مدة ثلاثة أشهر هاته يمكن لوالدي الطفل أن يتقدما ويعرفا بنفسيهما ويطلبا استرداده. أما بعد مرور هذه المدة دون معرفة والديه، يقوم وكيل الملك بإحالة ما يفيد تعليق الحكم التمهيدي في الأماكن المشار إليها مجددا إلى  رئيس المحكمة ملتمسا منه إصدار حكم نهائي بكون الطفل طفلا مهملا. عندها يمكن للراغبين في التكفل به تقديم طلباتهم إلى القاضي المكلف بشؤون القاصرين بالمحكمة نفسها مشفوعا بجملة من الوثائق التي سبقت الإشارة إليها في الحالة الأولى أعلاه. هذا الأخير يطلب تحت إشراف وكيل الملك إجراء أبحاث اجتماعية على طالبي الكفالة، من طرف أربع جهات وهي مندوبية الأوقاف والشؤون الاسلامية، السلطة المحلية، الضابطة القضائية، مصلحة حكومية مكلفة برعاية الطفولة إن وجدت في المدينة بالإضافة إلى المساعدة الاجتماعية بالمحكمة نفسها. هذه الجهات تنتقل إلى مقر سكن طالبي الكفالة، وتنجز تقريرا شاملا حول الحالة المادية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في ظرف أقصاه 10 أيام. هذه التقارير يجمعها ويحيلها وكيل الملك للجهة التي طلبت منه ذلك. وفي حال تعدد الطلبات يبدي ممثل النيابة العامة رأيه في العائلة التي تبدو له الأصلح و الأفضل للطفل. بعد دراسة هذه التقارير يصدر القاضي المكلف بشؤون القاصرين أمره بإسناد الكفالة نهائيا لصاحب الطلب الذي يبدو له مناسبا. ويقوم على رأس كل سنة بتتبع مستوى عيش الطفل ومدى تطبيق الكافل لالتزاماته. بالتالي فكل تغيير في العنوان أو أي شيء من هذا القبيل يجب إخبار السلطة القضائية به في إبانه.
هذا باختصار ما يمكن إثارته حول مسطرة التكفل بالطفل المهمل. وتعتبر بحق من أطول المساطر القضائية على الإطلاق، خاصة حينما يكون والدا الطفل مجهولين. ويمكن إبداء بعض الملاحظات على هذه المسطرة. فمن خلال الممارسة الفعلية تبدو هذه الإجراءات معقدة شيئا ما وطويلة في حد ذاتها.هذا إن تم فعلا التقيد بالآجال. فما بالك إذا تم الإخلال ببعضها. كأن تأمر المحكمة بتعليق الحكم التمهيدي لمدة ثلاثة أشهر في الأماكن المحيطة بمكان العثور على الطفل دون تحديد هذه الأماكن. فيحدث أن تقوم النيابة العامة باختيار ثلاث جماعات ترابية محلية مثلا محيطة بمكان العثور على الطفل  إلى جانب المستشفى ومقر المحكمة  لكي تقوم بنشر الحكم القضائي التمهيدي المشار إليه. فقد لا تكتفي هيأة المحكمة بهذا العدد، فتأمر من جديد بنشر الحكم في أماكن أخرى، وبالتالي وجب انتظار مرور ثلاثة أشهر أخرى.
 أما هذه المدة  في حد ذاتها فهي تعتبر طويلة نسبيا بحيث كان يمكن أن تحدد في شهر واحد فقط، بحكم أن من ضاعت منه فلذة كبده (ولده) سيقوم في اليوم نفسه بالتبليغ عن ذلك والبحث في كل الأرجاء.
ومع فرض صحة هذا الأجل (ثلاثة أشهر) ومعقوليته،  فإن الهيآت المنتخبة،  أو السلطة المحلية أو حتى المستشفى تقوم فعلا بنشر الحكم، إلا أنها لا تراسل تلقائيا وكيل الملك وتحيل إليه ما يفيد النشر.  بالتالي يصعب توجيه تذاكير إليها خاصة مع وفرة الملفات داخل مكتب الموظف المكلف بذلك. يمكن أيضا أن نشير إلى وجود تمييز نوعي بين فصول الظهير المتعلق بالأطفال المهملين (المادة 9)  حيث منح المشرع الحق في التكفل للمرأة فقط أو للزوجين المسلمين… مانعا الرجل وحده من هذا الحق. في حين يمكن أن يكون هناك رجال غير متزوجين، أو أيامى،أو ببساطة فاعلي الخير لديهم كافة الوسائل لكفالة الطفل وتربيته هم في حاجة لإشباع هذه الرغبة.
* منتدب قضائي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق