جماهير حولت المدرجات إلى ساحات معارك واعتداءات وتخريب في الوقت الذي تحقق فيه كرة القدم المغربية العديد من الإنجازات الكبرى على الصعيد القاري والدولي، والتي تتوج بتنظيم اللقاءات الرياضية الكبرى على مدار السنوات الأخيرة، والاستعدادات للمشاركة في تنظيم كأس العالم 2030، يواجه جمهور الأندية المحلية، هذه الطفرة النوعية بشغب غير مفهوم داخل الملاعب التي تحولت مدرجاتها في أغلب اللقاءات إلى ساحات معارك يستباح فيها العنف بجميع تمظهراته السلبية. شغب الملاعب تحدى كل صور المعقول، بتخريب وعنف واعتداء جسدي لم يسلم منه أحد، بل أضحى الصورة النمطية التي تؤثث كل المقابلات، ما دفع العديد من الأشخاص إلى المطالبة بمنع دخول الجماهير إلى المدرجات، في إطار الحرص على ضمان السير العادي للمنافسات، وتعزيز شروط السلامة والأمن داخل الملاعب، بما يكفل حماية مختلف مكونات اللعبة، وصون الأجواء الرياضية القائمة على الاحترام والتنافس الشريف. ولم تتوقف تلك المطالب عند هذا الحد، بل اتجهت إلى ضرورة تفعيل العقوبات الزجرية في أقصاها، لأجل الحد من ذلك العبث. ك. م عقوبـات لـم تحقـق الـردع أحداث الشغب والعنف تتزايد بشكل يستدعي إعادة النظر في المقاربة المعتمدة في كل مرة تقع أحداث شغب بالملاعب الرياضية تتجه الأنظار نحو الجانب الزجري، وما قدمه المشرع لمحاربة الظاهرة والحد منها، ليأتي الجواب من القانون رقم 09.09 المتعلق بالعنف المرتكب أثناء المباريات والتظاهرات الرياضية، الذي يعد محاولة لتأطير تلك الظاهرة والحد من تفاقمها، من خلال تجريم مجموعة من الأفعال المرتبطة بشغب الملاعب، من أبرزها إدخال أو استعمال الشهب النارية أو المواد القابلة للاشتعال داخل الملاعب، ورفع شعارات تتضمن تحريضا أو عنصرية، فضلا عن الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات، والتحريض على العنف عبر وسائل الإعلام أو شبكات التواصل الاجتماعي. ويعتبر البعض أن جريمة الشغب الرياضي لا يمكن اختزالها ضمن الجرائم التقليدية، لما تتسم به من خصوصيات تجعل منها ظاهرة مركبة، تتجاوز الفعل الجرمي المباشر، إذ لا تقتصر على الفضاء الرياضي، بل تمتد إلى الفضاء العام، وتنتقل مظاهر التوتر إلى الأحياء والشوارع، بل وحتى إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل. وتكمن خطورتها أيضا في أنها قد تجمع بين عدة أفعال إجرامية في آن واحد، السرقة، واستهلاك المخدرات، والضرب والجرح، والتخريب والاعتداء المادي ولمحاصرة هذا النوع من الجرائم نص القانون رقم 09.09 على معاقبة كل من يشارك في أعمال الشغب، سواء داخل المنشآت الرياضية أو خارجها، بعقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية تختلف حسب خطورة الأفعال المرتكبة، إذ حدد في الفقرة الثانية من الفصل 308 عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، وغرامة مالية تتراوح بين 1200 درهم و10000، في حق كل من ساهم في أعمال العنف المرتبطة بالضرب والجرح، كما نصت الفقرة العاشرة من الفصل نفسه على معاقبة كل من حاول الدخول إلى المنشآت الرياضية في حالة سكر أو تحت تأثير مواد مخدرة بغرامة تتراوح بين 1200 درهم و5000، في حين عاقبت الفقرة الخامسة بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة مالية كل من حرّض على التمييز أو الكراهية أو مارس السب والقذف خلال التظاهرات الرياضية. أما الفقرة التاسعة، فقد جرمت محاولة إدخال الأسلحة إلى الملاعب، وحددت عقوبتها في الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وغرامة مالية، بينما عاقبت الفقرة الثانية عشرة بيع تذاكر المباريات خارج القنوات القانونية بغرامة مالية تتراوح بين 1200 درهم و10000. كما أن المشرع وهو يتحدث عن شغب الملاعب، أحال صراحة على الفصل 403 من القانون الجنائي، كلما ترتبت عن أفعال العنف نتائج جسيمة، إذ ينص على أنه إذا أفضى الضرب أو الجرح، أو أي وسيلة من وسائل الإيذاء أو العنف، المرتكبة عمدًا دون نية القتل، إلى الوفاة، فإن العقوبة تكون السجن من عشر سنوات إلى عشرين سنة، وترتقي إلى السجن المؤبد، في حال ثبوت سبق الإصرار أو الترصد أو استعمال السلاح، وإلى جانب هذه العقوبات الزجرية، أقر المشرع تدابير وقائية مهمة، من بينها الحرمان من حضور التظاهرات الرياضية لمدة قد تصل إلى سنتين، فضلًا عن المصادرة، وهو ما يعكس توجه السياسة الجنائية المغربية نحو تحقيق نوع من التوازن بين الردع والزجر، من جهة، والوقاية، من جهة أخرى. ورغم هذه الترسانة القانونية، فإن الواقع العملي يكشف عن محدودية المقاربة الزجرية وحدها في الحد من ظاهرة شغب الملاعب، إذ ما تزال الظاهرة تعرف تزايدا ملحوظا، مما يطرح تساؤلات حول مدى نجاعة السياسة الجنائية المعتمدة، وهل يجب إعادة النظر في المقاربة الحالية، من خلال مراجعة وتحيين القانون رقم 09.09 بما يتلاءم مع التحولات التكنولوجية، خاصة ما يتعلق بالتحريض الرقمي على العنف، إلى جانب اعتماد عقوبات بديلة وتعزيز البعد الوقائي عبر برامج التوعية والتأهيل. كريمة مصلي