التقلبات المناخية والإكراهات الهيكلية والمنافسة الأمريكية تهدد "الذهب الأخضر"للمنطقة يحتفي مهرجان اللوز بتافراوت بذاكرة الأرض ووعود الغد، لكن خلف الأهازيج والأسواق المزدهرة، يتوارى واقع مقلق يهدد هذا الموروث الزراعي، مواسم شحيحة، جفاف متكرر، وتراجع في الإنتاج يقوض توازن السلسلة الفلاحية، ليجد اللوز نفسه بين بهجة الاحتفال وشبح الاندثار، فيما يتسع الاعتماد على الاستيراد لسد الخصاص، وتظهر هشاشة منظومة تواجه تحديات مناخية وهيكلية عميقة، تجعل من "ثروة الغد" سؤالا مفتوحا على مستقبل غامض. إنجاز: عبد الجليل شاهي (أكادير) عاشت تافراوت، خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 12 أبريل الماضي، على إيقاع الدورة الثالثة عشرة لمهرجان اللوز، تحت شعار "أرض اللوز.. ثروة الغد"، في حدث يعكس عمق العلاقة بين الإنسان ومجاله، ويعيد الواجهة لموروث فلاحي وثقافي متجذر في الأطلس الصغير. سعى المنظمون إلى تحويل المهرجان إلى منصة حقيقية لتحسين الإنتاج والتسويق وتثمين المنتوجات المجالية، مع تسليط الضوء على التحديات الهيكلية والمناخية التي تثقل كاهل القطاع، غير أن واقع الحال يفرض نفسه بإلحاح. جفاف متواصل أضعف مردودية الضيعات، وتراجع ملحوظ في الإنتاج بتافراوت، ما ألقى بظلاله على المساحات المزروعة التي بدت بوجه شاحب رغم بعض التساقطات الأخيرة التي أعادت بصيص أمل حذر، وفي المقابل، يزداد ضغط اللوز المستورد الذي يغزو الأسواق الوطنية، مما يجعل المنافسة أكثر شراسة أمام المنتوج المحلي. وعبر المنظمون عن رغبتهم في أن يتجاوز المهرجان طابعه الاحتفالي، ليشكل جزءا من رؤية إستراتيجية تروم دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وصون التراث الأمازيغي، وتعزيز جاذبية تافراوت كوجهة سياحية، مع ترسيخ أسس تنمية مستدامة في قلب الأطلس الصغير، في معركة مفتوحة بين رهانات النهوض وإكراهات الواقع. تراجع الإنتاج تعرف تافراوت، جوهرة الأطلس الصغير بإقليم تزنيت، لعقود طويلة بعاصمة اللوز في المغرب، حيث كانت أشجاره تكسو الجبال والوديان، وتشكل العمود الفقري لاقتصاد محلي متجذر في الأرض والذاكرة. لم يكن اللوز مجرد منتوج فلاحي، بل كان رمزا لهوية جماعية، ورافعة عيش لآلاف الأسر، تخلد مكانته سنويا عبر المهرجان الذي يحتفي بخصوبة المجال وكرم الطبيعة. غير أن هذا البريق بدأ يخفت تدريجيا تحت وطأة تحولات مناخية قاسية، إذ عانت المنطقة في السنوات الأخيرة من موجات جفاف متتالية، أجهزت على توازن المنظومة الفلاحية، وأدت إلى تراجع مقلق في إنتاج اللوز. آلاف الأشجار وجدت نفسها في مواجهة العطش، بعضها دخل مرحلة ضعف حاد، وأخرى لفظت أنفاسها الأخيرة، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي لم تعد محلية فقط، بل امتدت لتشمل مختلف المناطق البورية بالمغرب. هذا التراجع الحاد انعكس مباشرة على الأسواق، حيث أصبحت كميات اللوز المحلي محدودة ونادرة، تطلب مسبقا وترتفع أسعارها بشكل لافت، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الاستيراد لسد الخصاص، فقد استورد المغرب سنة 2024 أزيد من 35 ألف طن من اللوز، بقيمة فاقت 174 مليون دولار، في مؤشر واضح على اختلال ميزان الإنتاج الوطني. أمام هذا الواقع، تقف شجرة اللوز، رغم قدرتها النسبية على مقاومة الجفاف، على حافة تهديد حقيقي، ينذر باندثار تدريجي لهذا الموروث الزراعي إن لم تتخذ إجراءات مستعجلة، دعم الفلاحين، وتعميم تقنيات الري الحديثة، واعتماد أصناف مقاومة، وإعادة تأهيل الضيعات المتضررة، كلها رهانات ملحة لإنقاذ “ذهب تافراوت الأخضر”، قبل أن تتحول عاصمة اللوز إلى مجرد ذاكرة زراعية فقدت روحها. ضغط الطبيعة واختلالات البنية كشف محمد التفراوتي، الناشط البيئي، أن قطاع اللوز بتافراوت، كما في مناطق واسعة من المغرب، يعيش على وقع مفارقة لافتة بين مؤهلات طبيعية واعدة وإنتاج يظل دون سقف الإمكانيات، بفعل إكراهات متداخلة بيئية وهيكلية تكبح تطوره. وأوضح التفراوتي، في مقدمة هذه التحديات، تبرز التقلبات المناخية الحادة وتوالي سنوات الجفاف، التي أخلت بتوازن دورة الإنتاج، فرغم ما تعرف به شجرة اللوز من قدرة نسبية على التكيف، إلا أنها شديدة الحساسية لنقص التساقطات وارتفاع درجات الحرارة، خصوصا خلال مرحلة الإزهار، حيث يؤدي الإجهاد المائي وموجات الحر إلى ضعف عقد الثمار وتراجع المردودية، وهو ما يظهر بوضوح في المناطق شبه القاحلة كالأطلس الصغير ومحيط تافراوت. واضاف التفرواتي، أنه لا تقل الإكراهات الهيكلية وطأة، إذ ما تزال مساحات واسعة من حقول اللوز تدار بطرق تقليدية، تعتمد على أصناف قديمة وتقنيات محدودة، مع ضعف اللجوء إلى المكننة والابتكار الزراعي، ما ينعكس سلبا على إنتاجية الهكتار مقارنة بنماذج حديثة في دول رائدة، كما أن شيخوخة الأشجار في عدد كبير من الضيعات تزيد من هشاشتها أمام الآفات والتقلبات المناخية، وتضعف قدرتها الإنتاجية سنة بعد أخرى. كما أشار إلى أن ضعف البنية التحتية للري يشكل أحد أبرز العوائق، حيث يعتمد جزء كبير من حقول اللوز على الزراعة البورية، ما يجعلها رهينة لتقلبات السماء، وفي سنوات الشح، يتهاوى الإنتاج بشكل ملحوظ، خاصة في مناطق تافراوت التي لا تزال تعتمد على أنظمة ري تقليدية محدودة الأثر. كما تتفاقم هذه التحديات بفعل انتشار بعض الآفات والأمراض النباتية، إضافة إلى تجزؤ الملكيات الزراعية، إذ يمتلك العديد من الفلاحين مساحات صغيرة تعيق الاستثمار في التحديث والتجهيز، وبين ضغط الطبيعة واختلالات البنية، يجد اللوز بتافراوت نفسه في مواجهة معادلة صعبة، تختزل عمق الأزمة التي تهدد استدامة هذا الموروث الزراعي. كما أكد التفراوتي، أنه لا يمكن إغفال تأثير المنافسة من اللوز المستورد، الذي ينتج غالبا على نطاق صناعي واسع وبتكلفة أقل، وهو ما قد يحد من الحوافز الاقتصادية للاستثمار في تطوير الإنتاج المحلي، مشيرا إلى أنه رغم أن المغرب يتوفر على ظروف طبيعية ملائمة لزراعة اللوز، فإن الجفاف، واستمرار الأنماط الزراعية التقليدية، وقدم البساتين، ومحدودية الري، تبقى من أهم العوامل التي تفسر بقاء الإنتاج دون مستواه الممكن. هيمنة الصنف الأمريكي أكد أمين هزام، الخبير الاقتصادي، أن المغرب يواصل ترسيخ موقعه أحد أبرز المستوردين العالميين للوز المقشر، في ظل هيمنة واضحة للسوق الأمريكية التي باتت تتحكم في جزء شبه كامل من هذه السلسلة التوريدية خلال السنوات الأخيرة. وأضاف أن معطيات منصة "إيست فروت" المتخصصة في تتبع أسواق الفواكه والخضر، كشفت أن المغرب استورد خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من 2024 ما يزيد عن 35 ألف طن من اللوز المقشر القادم من الولايات المتحدة، بقيمة ناهزت 174.5 مليون دولار، مسجلا بذلك مستوى قياسيا جديدا في حجم الواردات، كما أظهرت البيانات نفسها ارتفاعا بنسبة 18 في المائة مقارنة بـ 2023، بما يعكس تسارعا لافتا في وتيرة الاعتماد على هذا المورد الأساسي. وأوضح هزام أن هذا المسار التصاعدي ليس وليد اللحظة، بل يمتد منذ 2017، حيث دخلت واردات المغرب من اللوز الأمريكي منحى تصاعديا مستمرا، باستثناء تراجع ظرفي خلال 2022، ارتبط باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن، غير أن هذا التراجع لم يدم طويلا، إذ سرعان ما استعادت الواردات زخمها في 2023 و2024، لتتضاعف بشكل لافت، متجاوزة ما كانت عليه قبل سبع سنوات بأكثر من 38 مرة. وأشار هزام إلى أن السوق الأمريكية تكاد تنفرد بهذا القطاع، إذ تمثل نحو 99 في المائة من إجمالي واردات المغرب من اللوز المقشر، مقابل حصص هامشية لا تتعدى كميات محدودة قادمة من إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وهولندا والصين، هذا التركز الحاد جعل المغرب يحتل الرتبة الثامنة عالميا ضمن أكبر مستوردي اللوز الأمريكي، مستحوذا على حوالي 5 في المائة من صادرات الولايات المتحدة في هذا المنتوج. ويعكس هذا التحول في بنية السوق المحلية اتساع الطلب على استهلاك المكسرات داخل المغرب، حيث أصبح اللوز من بين أكثر المواد الغذائية طلبا في الأسواق، محتلا موقعا متقدما ضمن الواردات الزراعية، بعد التمور مباشرة. وفي المقابل، يبرز هذا الاتجاه اتساع الفجوة بين تراجع الإنتاج المحلي، وتنامي الاعتماد على الاستيراد من الخارج، خاصة من سوق أمريكية باتت لاعبا مركزيا في تأمين هذا النوع من المواد الغذائية. نافذة للترويج يعد مهرجان اللوز بتافراوت مناسبة سنوية تتجاوز طابعه الاحتفالي، ليغدو منصة حقيقية لترويج المؤهلات الثقافية والسياحية التي تزخر بها المنطقة، وإبراز تفردها وجهة تجمع بين جمال الطبيعة وعمق التراث الأمازيغي الأصيل، فهذه المدينة الجبلية الصغيرة، الواقعة جنوب أكادير على بعد نحو 130 كيلومترا عبر اشتوكة أيت باها، وحوالي 100 كيلومتر شرق تيزنيت، تتميز بموقعها الفريد وسط سلسلة جبال الأطلس الصغير، ما يمنحها سحرا خاصا يجمع بين الهدوء والدهشة في آن واحد. وخلال أيام المهرجان، تتحول تافراوت إلى فضاء نابض بالحياة، حيث تنشط الحركة السياحية بشكل لافت، وتنظم رحلات استكشافية نحو القرى المجاورة الغنية بالمآثر التاريخية، مثل القصبات القديمة، والبيوت التقليدية المبنية بالحجر والطين، والنقوش الصخرية العريقة، إضافة إلى أنظمة الري التقليدية ومعاصر زيت الزيتون القديمة، مما يتيح للزائر فرصة الغوص في تفاصيل ذاكرة المكان. كما يتيح المهرجان اكتشاف نمط عيش السكان المحليين وتقاليدهم العريقة، حيث يلفت انتباه الزائر الزي النسائي التقليدي المعروف محليا بـ "تالحفت"، وهو لباس أسود طويل يعكس هوية ثقافية متجذرة، إلى جانب "إيدوكان" البلغة التافراوتية التي تكمل ملامح هذا التراث الحي. وتزخر تافراوت أيضا بمؤهلات طبيعية استثنائية، من بينها صخرة “رأس الأسد” و"قبعة نابليون"، والصخور الملونة التي أبدعها الفنان البلجيكي جان فيرايم، فضلا عن وادي أملن الذي يحتضن عشرات القرى الأمازيغية ومسارات سياحية للمشي والاستكشاف وسط طبيعة خلابة، كما تعزز التعاونيات المحلية لإنتاج زيت "أركان" واللوز جاذبية المنطقة اقتصاديا وسياحيا. وبفضل هذا التنوع، تتحول تافراوت إلى وجهة للسياحة البيئية والثقافية، تستقطب آلاف الزوار سنويا، في نموذج واعد لتنمية متوازنة تمزج بين الحفاظ على التراث والانفتاح على المستقبل. صون التراث شكل مهرجان اللوز بتافراوت مناسبة سنوية بارزة لا تقتصر على الاحتفاء بالمنتوج الفلاحي المحلي، بل تتجاوز ذلك إلى أنه فضاء حيوي لصون التراث المادي واللامادي وإعادة إحيائه في سياق معاصر يزاوج بين الأصالة والانفتاح، فالمهرجان يضطلع بدور أساسي في إبراز غنى الموروث المحلي، من خلال تثمين العادات والتقاليد التي تزخر بها المنطقة، وتعزيز حضورها في الذاكرة الجماعية للأجيال الجديدة. وحرص المنظمون على تخصيص فضاءات ومعارض للمنتوجات المحلية، حيث يتم عرض مختلف المنتوجات المجالية، وعلى رأسها اللوز ومشتقاته، إلى جانب منتجات التعاونيات النسائية التي تعكس مهارات السكان في تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة اقتصادية وثقافية، هذه المعارض لا تقتصر على الجانب التجاري فقط، بل تشكل أيضا وسيلة للتعريف بالمؤهلات التراثية للمنطقة وربط الزائر بعمقها الثقافي. كما يولي المهرجان اهتماما بإحياء التراث اللامادي، من خلال الاحتفاء ببعض الطقوس والعادات المتجذرة، مثل موروث "إدرنان"، الذي يعد أحد أبرز التقاليد الجماعية المتوارثة في المنطقة، ويجسد هذا الطقس قيم التضامن والتآزر بين أفراد المجتمع، ويعكس في الوقت نفسه عمق الروابط الاجتماعية التي تميز النسيج الأمازيغي المحلي، باعتباره رمزا لهوية ثقافية أصيلة. وعلى المستوى الثقافي والفني، تضمن برنامج المهرجان عروضا فلكلورية وموسيقية تعكس تنوع وغنى التراث المحلي، حيث تقدم فرق فنية لوحات تعبيرية مستوحاة من البيئة الجبلية والحياة اليومية للسكان. هذه العروض تسهم في نقل التراث من جيل إلى آخر، وتمنحه بعدا احتفاليا يرسخ مكانته في الوجدان الجماعي، كما يتحول مهرجان اللوز بتافراوت إلى فضاء جامع بين الاقتصاد والثقافة والتراث، وإلى رافعة حقيقية للحفاظ على الهوية المحلية وصون الذاكرة الجماعية للمنطقة.