مقالات الرأي

وجهة نظر قانونية حول حدث انسحاب السنغال في نهائي كأس إفريقيا 2025  

بقلم: عبد الهادي الأمين ( رجل قانون)  

المسابقات الرياضية نظمت أساسا لتنافس المتبارين فيما بينهم وتقريب الشعوب وتعارفهم و خلق روح المودة بينهم، و يسعى المتبارون سواء  فرادى أو جماعات في شكل فرق أو منتخبات للاستعداد الجيد قبل خوض أي منافسة رياضية لإبراز التفوق، و نيل جائزة، اعترافا بما بذلوه من استعداد وجهد، عبارة عن مجسم، غالبا ما يكون كأسا يحتفظ به عنوانا لتفوقهم ويبقى مفخرة لهم وللأجيال التي تعقبهم، فضلا عن مبالغ مالية تختلف قيمتها حسب أهمية المنافسة وصعوبتها للتحفيز على إيلاء الرياضة العناية التي تليق بها.

احتضان المنافسات الدولية من قبل الدول، لم تعد بالشكل الهين و لا في متناول أي كان، وإنما أصبحت تخضع لشروط تفرضها الاتحادات الدولية، تتعلق بالبنية التحتية الجيدة والملائمة لاستقبال الفرق المتبارية وجماهيرها ولكل مهتم بالجنس الرياضي موضوع المنافسة.

المغرب منذ أكثر من عشرين سنة، تهيأ لاحتضان المنافسات الدولية والقارية الكبرى وأعد لذلك كل البنيات التحتية الملائمة بمعايير دولية تضاهي الدول المتقدمة وتنافسها، وتتجاوز بكل واقعية كل الدول الإفريقية بدون استثناء، وهو ما أهله لاحتضان أهم المنافسات على الصعيد الإفريقي والدولي و أصبح قبلة للرياضيين .

كانت مناسبة تنظيم كأس إفريقيا لسنة 2025، محكا حقيقيا لإبراز مدى استعداد المملكة لاحتضان كبريات المنافسات الدولية، واستطاعت المملكة أن تنظم تظاهرة إفريقية ناجحة بكل المقاييس ، رافعة بذلك سقف الاستعداد إلى حد أضحى من الصعب على باقي دول إفريقيا تنظيم تظاهرة بنفس المستوى.

كانت الأمور تسير بشكل عادي، رغم التشويش الذي بدأ من أول يوم، وحتى قبله من خصوم النجاح، إلى أن بلغت المنافسة نهايتها بإجراء المقابلة النهائية، للتوقف في آخر لحظاتها وينسحب المنتخب السنغالي احتجاجا على ضربة جزاء أقرها الحكم، دام التوقف أكثر من 20 دقيقة ليعود فريق السنغال للملعب ويكمل اللقاء ويتفوق بهدف لصفر ويتسلم الكأس والميداليات ويحصل على الجائزة المالية المخصصة لهذا الأمر. لتبدأ جولة مختلفة حول مشروعية هذا الفوز وهذا اللقب، نزاع قانوني صرف وهذا هو الجانب المهم موضوع هذا البحث بعد هذه التوطئة. النزاع حول اللقب عرض على الاتحاد الإفريقي الكاف و بتت فيه هيئة ابتدائية متخصصة قضت بتوزيع التوقيفات والغرامات على الفريقين المتنافسين في النهاية، تم استئناف القرار لتصدر الهيئة الاستئنافية، قرارا تاريخيا باعتبار الانسحاب قد حصل طبقا لقوانين الكاف ورتبت أثره بنزع اللقب من السنغال واعتبار المغرب هو المنتصر ب 3 لصفر واستحقاقه لقب بطل إفريقيا. وينتقل الصراع إلى المحكمة الرياضية الدولية الطاس. فما هي المواد المستند إليها من قبل الهيئة الاستئنافية و ما مضمونها وماذا يعني الانسحاب وكذا الغش في المباراة وما هي حظوظ إقرار الحكم الصادر استئنافا عن الكاف؟

تنص المادة 84 من لوائح كاس إفريقيا على أن أي فريق يخرق المادتين 82 و83يعتبر خاسرا للمباراة ويتم إعلان النتيجة وهي 3 ل 0. وهي مادة جزائية يتم تفعيلها مباشرة عند ثبوت المخالفة مثل مغادرة الملعب. والمادة 85 تتضمن عقوبات تكميلية مثل الغرامات المالية والاستبعاد من البطولة والإحالة على لجنة الانضباط. و المادة 82 هي الأساس لفهم معنى الانسحاب وتنص على أن الفريق الذي يرفض أو يغادر الملعب بدون إذن الحكم يعتبر خاسرا ويتم إقصاؤه.

هل تعتبر مغادرة الملعب غشا؟ الغش يمكن اعتباره قائما سواء في لوائح الكاف أو الفيفا بأي سلوك يضر بنزاهة اللعبة أو بأي سلوك غير رياضي أو بأي التأثير غير مشروع على الحكم.

تنزيل هذه المقتضيات على ما جرى في النهائي، ممكن و متطابق إلى حد بعيد، فانسحاب السنغال من الملعب و توقف المباراة لأكثر من 20 دقيقة بدون إذن الحكم و بسبب الاحتجاج على قراره بإعلان ضربة جزاء و علم الفريق أن تنفيذ ضربة الجزاء معناها خسارة المقابلة، و اختيار الفريق السنغالي المجازفة بالخروج من الملعب بدون إذن الحكم دراية منه بتوقع الخسارة و تفضيله الخسارة على الورق من الخسارة على الميدان، تم تراجعه بعد مدة طويلة لاستكمال المقابلة هذا السلوك اللارياضي يعتبر من قبيل الغش المؤثر على سير اللقاء و التأثير على نفسية الفريق المنافس و هو ما حصل بالفعل.

فهل الرجوع بعد المغادرة ينفي المخالفة؟ الجواب لا يمكن بعد قيام المخالفة وثبوتها أن يتم محوها واعتبارها كأن لم تكن، فالاعتداء على الحكم مثلا،  لا ينفع معه بعد ارتكابه اعتذار المعتدي للحكم وتعبيره عن ندمه. فالقوانين وضعت لتطبق وبالتالي فهي ليست رهينة بمزاج الفرق المنافسة، فمتى تحققت المخالفة للقانون بكل عناصرها وجبت العقوبة المترتبة عنها. ومن تم لا أثر لرجوع الفريق السنغالي إلى أرض الميدان وإكمال المقابلة، لأن الفعل تحقق بالمغادرة دون إذن ولسبب راجع لعدم قبول قرار الحكم. والأمر يعتبر انسحابا والمواد 82 و84 المومأ إليها هي الواجبة التطبيق.

هل الأمر في اعتبار الانسحاب موكول لسلطة الحكم أم للهيئات التقريرية للكاف أو الفيفا؟ إن سلطة الحكم داخل الميدان تنحصر في إدارة المقابلة الجارية أمامه و تطبيق القوانين التي تخضع لها، بالإعلان عن البداية و النهاية ومراقبة الزمن المخصص لها وتتبع سير المقابلة والتدخل بشأن كل ما يقع فيها، أما ما يتعلق بقانون اللعبة ككل و المسابقة في حد ذاتها ومدى توافر الشروط المقررة في اللوائح وإقرار الهزيمة على الورق، يخرج عن سلطة الحكم ، فهي قوانين تختص بتطبيقها ومراقبتها الهيئات التابعة للجامعات والاتحادات الوطنية أو القارية أو الدولية حسب نوع المنافسة و لا دخل للحكم فيها، بعبارة أوضح أن القانون المنظم للمنافسة و منها ترتيب الأثر عن الانسحاب مما تستقل به الهيئات المنظمة للمنافسة و ليس حكم المباراة كما يدل على ذلك وصفه.

كيف ستنظر الطاس أو المحكمة الدولية للرياضة في الأمر؟ مبدئيا هذه المؤسسة سوف تنظر في مدى تطبيق الهيئة الاستئنافية للكاف للقانون المعمول به، وسوف تتحقق من توافر شروط الانسحاب الموجبة للحكم بالخسارة من خلال الوقائع المعروضة عليها  استنادا للنصوص القانونية المعمول بها.

الأمر لا يخلو من أمرين إما التطبيق الحرفي للقانون، وهو اعتبار مغادرة الميدان دون إذن الحكم انسحابا و ترتيب أثره و القول بصحة الحكم الصادر عن الهيئة الاستئنافية، باعتبار ذلك الانسحاب كان له أثر في خروج الفريق المنافس عن جو المنافسة وأثر سلبا على عطائه، و هو ما يعتبر غشا من قبل الفريق السنغالي الذي افتعل الأمر ليصل إلى مبتغاه بطرق غير مشروعة. أو التطبيق العادل للقانون، بوضع قضاة الطاس كل الظروف و الملابسات التي رافقت المنافسة منذ بدايتها و الحرب النفسية التي خاضتها الجهات المحرضة لإفساد التظاهرة و مساهمة الفريق السنغالي فيما جرى من أحداث بمغادرة الميدان بدون موجب قانوني و فوضى الجماهير السنغالية و محاولتها اقتحام أرضية الملعب لإعطاء مبرر للانسحاب حتى يكون السبب هو انتفاء الأمن و هو ما حالت دونه العناصر الأمنية التي تصدت للهجوم و نالت من الاعتداءات الجسمانية ما نالت، و هذه المعطيات الميدانية تدخل ضمن قناعة القضاة عند إصدارهم للأحكام حتى و إن لم يدونوها في قرارتهم و لكن يكون لها الأثر القوي في وجدانهم و تكوين قناعتهم. و في الحالتين أي التطبيق الحرفي للقانون أو التطبيق العادل له يؤديان إلى نتيجة واحدة و هي صحة الحكم الاستئنافي و تأييده.

والخلاصة أن قرار اللجنة الاستئنافية، قرار صائب من الناحية القانونية، وهو تطبيق حرفي وعادل للقانون، وتطبيق صارم لقواعد اللعبة ويعتبر سابقة ستكون لها فائدة جمة في المستقبل على كل المنافسات الرياضية دفعا للفوضى و الغش والتلاعب والتآمر، وتنقية الأجواء الرياضية من كل شائبة تجرد الرياضة من رسالتها النبيلة وهي التقارب بين الشعوب ونشر ثقافة المنافسة الشريفة والانتصار لمن يستحق بدون غش أو تحايل على القوانين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم إضافة تمنع الإعلانات

نود أن نشكركم على زيارتكم لموقعنا. لكننا نود أيضًا تقديم تجربة مميزة ومثيرة لكم. لكن يبدو أن مانع الإعلانات الذي تستخدمونه يعيقنا في تقديم أفضل ما لدينا.