كررها وأعادها مرارا. قالها بلغة إيطالية فصيحة وبلكنة "بولونية" وبباقي اللهجات المحلية الأخرى، ومرات، ربما، بالدارجة المغربية "عتقوا الروح أعباد الله". لا أحد كان يسمع لعبد الرحيم فقير، ولا أحد انتبه، ولا أحد كان في نيته، في الأصل، تغيير هذا المنكر، حتى حلقت الروح من جسد استسلم تحت الضغط العالي. كان الوجه مطروحا على الأرض لدقائق معدودات، والفم ينزف ترابا ودما، وفي المقلتين الذابلتين بقايا دموع جافة. تخيل في هذه اللحظة الحاسمة في الصراع بين الحياة والموت، لم يكن عبد الرحيم يطلب غير نزر قليل من الرحمة، وانسحابا "مشرفا" لجثتين ضخمتين كانتا تجثمان على ظهره بكل ما أوتي صاحباهما من "حقوق إنسان وديمقراطية". "النجدة كفى... كفى...". تطير الاستعانة الأخيرة في الهواء مثل فقاعة ماء بصابون ترتطم بحافة "ضمير" وتندثر، وتعقبها روح تخرج من جسد في وضعية "اعتصار" ويسقط الجسد فوق تراب دولة أوربية يمكن أن يتظاهر فيها آلاف الإيطاليين من أجل قطة باتت بلا عشاء، لكن لا يتردد شرطيان في الجلوس على جسد، وعصره حتى الموت. ما أبشع هذا "العصر" الفاره حتى الموت وما أبشعكم؟ لكن ماذا فعل عبد الرحيم حتى تطلع روحه من بين الأرجل الجاثمة والبذل الواقية والمسدسات والأصفاد؟ ولماذا ضغطتم على أنفاسه الأخيرة بهذه الطريقة المتوحشة؟ هل سرق؟ هل عذب؟ هل قتل؟ هل اغتصب؟ هل كان في حالة سكر وعربدة؟ هل ينتمي إلى جماعة إرهابية؟ هل كان ممنطقا بحزام ناسف معد للانفجار؟ وليكن كل ذلك وأكثر، لكن لا يحق لكم أن تصدروا الحكم في الحال، وتنفذوه خنقا وقطعا للأنفاس في الشارع العام وأمام كاميرات الجيران. لا ننتظر رواية رسمية وأخرى غير رسمية ولا نبحث عن سبب بعد أن سبق إصدار الحكم بالإعدام، تكوين التهمة والجناية نفسها. إنهم يقتلون ويخنقون ويعذبون على الشبهة فقط، وهذا أسوأ ما يحدث في دولة أوربية مربكة، ومرتبكة ومتشنجة نفسيا حيال أسئلة الهجرة والمهاجرين. لم يسمع رجلا الأمن، المدججان بالعصي الكهربائية، النداء، لأنهما تدربا على عدم الاستماع إلى صراخ الرحمة والنجدة، وقيل لهما إن جميع المهاجرين متشابهون ولا تأخذكما بهم رحمة. اقتلاهم، أو ستقتلان. اقتلاهم وانتظرا أن تعرض المشاهد الصادمة أمام العالم. نصدم أول مرة، ونردد "مسكين أش بغاو فيه"، ثم يلوذ الجميع إلى الصمت والتواطؤ، أو الموقف المحايد في أحسن الأحوال. والمثير للقلق ليس القتل بدم بارد في حد ذاته، بل أصوات تسارع دائما إلى محاكمة الضحية قبل معرفة الحقيقة، إذ يكفي أن يكون مهاجرا أو فقيرا، أو في وضعية هشة حتى تبدأ ماكينة التبرير في العمل: ماذا كان يفعل؟ هل ارتكب مخالفة؟ هل كان مطلوبا للعدالة؟ أي كل الأسئلة التي توجه التحية إلى القاتل لأنه قتل، وتدوس على قبر الضحية، لأنها وجدت في المكان الخطأ. سنتابع ما يجري، في كل الأحوال، ونعتبر أن أسوأ ما يمكن أن يقع إلى عبد الرحيم فاكر (وأمثاله من المهاجرين) ليس أن يقتل ويدفن في مقبرة منسية، بل أن تمر قضيته دون مساءلة حقيقية. الإفلات من المحاسبة يقتل الضحية مرتين: مرة حين يفقد حياته، ومرة حين تدفن الحقيقة معه. للتفاعل مع هذه الزاوية: mayougal@assabah.press.ma