أخبار 24/24

توتر داخل مسجد الزاوية القادرية البودشيشية يثير الجدل

تحركات ميدانية تضع تدبير بيوت الله تحت المجهر القانوني

يشكل المسجد الكبير التابع للزاوية القادرية البودشيشية نموذجًا معبّرًا عن طبيعة العلاقة بين المبادرات الدينية المجتمعية والإشراف المؤسساتي الرسمي، حيث انطلقت أشغال بنائه في بدايتها بمساهمات المحسنين من أتباع الزاوية، قبل أن تتدخل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 2017 لاستكمال المشروع وتوسيعه، بدعم مالي ضمن هبة ملكية بلغت 10 ملايين درهم، ما منح هذا الصرح الديني بعدًا رسميًا ومؤسساتيًا واضحًا.

تأطير قانوني واضح للمسجد

وبعد انتهاء الأشغال، تم إدراج المسجد ضمن السجل الوطني للمساجد بتاريخ 13 دجنبر 2019، بموجب قرار وزاري يحمل رقم 418/19، ليصبح بذلك خاضعا بشكل كامل لإشراف وزارة الأوقاف، باعتباره وقفًا عامًا لفائدة عموم المسلمين، وليس ملكًا خاصًا لأي جهة أو جماعة. ويعزز هذا الوضع القانوني ما ينص عليه ظهير 1984 ومدونة الأوقاف لسنة 2010، اللذان يؤكدان أن جميع المساجد والزوايا تدخل ضمن الملك الوقفي العام، وتدبر وفق ضوابط مؤسساتية محددة.

ممارسات ميدانية تثير القلق

غير أن هذا الإطار القانوني الواضح، لم يمنع من تسجيل سلسلة من الأحداث التي أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط الدينية والمتتبعة للشأن الروحي بالمغرب، حيث برزت تحركات منسوبة إلى محيط الزاوية، خاصة المرتبط بمنير القادري بودشيش، تسعى إلى فرض واقع مغاير لطبيعة المسجد كمرفق عمومي مفتوح.

وقد بدأت هذه التطورات بحادثة وصفت بالخطيرة خلال خطبة الجمعة بتاريخ 23 يناير 2026، حيث شهد المسجد أعمال عنف أدت إلى إصابة عدد من المصلين، في سابقة أثارت استياءً واسعًا نظرًا لحرمة المكان والزمان.

تصعيد تدريجي نحو فرض الأمر الواقع

وتواصلت هذه التوترات منتصف فبراير، حين أقدمت مجموعة تقدّم نفسها تحت مسمى “مجلس الطريقة” على محاولة إغلاق المسجد، مستندة إلى معطيات اعتُبرت غير دقيقة، من بينها الادعاء بأن المسجد شيد بديلاً لمسجد آخر، وهو ما يتعارض مع التسلسل الزمني للأحداث، حيث إن أشغال إعادة بناء المسجد المذكور لم تبدأ إلا بعد أشهر من افتتاح مسجد الزاوية.

هذا المعطى دفع مراقبين إلى اعتبار هذه الخطوة تمهيدًا لفرض واقع جديد داخل الفضاء الديني، خاصة مع انتقال الوضع لاحقا إلى مرحلة أكثر حدة، تمثلت في اقتحام المسجد يوم 16 مارس 2026، ومنع القيمين الدينيين من أداء مهامهم، في خطوة وُصفت بأنها تحدٍّ مباشر للمؤسسات المشرفة على تدبير الشأن الديني.

تعطيل الشعائر وتحويل الوظيفة

ولم تتوقف هذه الممارسات عند هذا الحد، بل بلغت ذروتها يوم 20 مارس، حين تم تعطيل إقامة صلاتي الجمعة والعيد، مع تسجيل استعمال المسجد في أنشطة لا تنسجم مع طبيعته التعبدية، ما أثار نقاشا واسعا حول حدود التدخل في الفضاءات الدينية وضوابط استغلالها.

كما سُجل لاحقًا، بتاريخ 26 مارس، الشروع في أشغال داخل المسجد دون ترخيص قانوني، في خطوة اعتبرت تجاوزا صريحًا للمساطر المعمول بها في تدبير الأملاك الوقفية.

أبعاد قانونية وروحية

تطرح هذه التطورات، في مجملها، إشكالات عميقة تتعلق بمدى احترام القوانين المنظمة للمساجد، وحدود تدخل الأفراد أو الجماعات في تدبيرها، خاصة في ظل نظام ديني يقوم على إمارة المؤمنين كمرجعية ضامنة لوحدة الحقل الديني.

كما تعيد هذه الأحداث إلى الواجهة النقاش حول حماية الفضاءات الدينية من أي توظيف أو صراع، باعتبارها مؤسسات جامعة يجب أن تظل مفتوحة أمام جميع المصلين دون تمييز أو إقصاء.

دعوات للتدخل واستعادة النظام

وفي ظل هذا الوضع، تتزايد الدعوات إلى تدخل حازم من قبل السلطات المختصة، من أجل إعادة الأمور إلى نصابها القانوني، وضمان احترام حرمة المسجد ووظيفته الأساسية، مع ترتيب المسؤوليات القانونية في حق كل من ثبت تورطه في هذه التجاوزات.

ويجمع متتبعون على أن الحفاظ على الأمن الروحي للمغاربة يظل خطا أحمر، وأن أي انحراف في تدبير بيوت الله قد يفتح الباب أمام اختلالات أعمق تمس بثوابت الأمة ووحدتها الدينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم إضافة تمنع الإعلانات

نود أن نشكركم على زيارتكم لموقعنا. لكننا نود أيضًا تقديم تجربة مميزة ومثيرة لكم. لكن يبدو أن مانع الإعلانات الذي تستخدمونه يعيقنا في تقديم أفضل ما لدينا.