“اختفاء الأطفال” يستدعي مقاربة مجتمعية شاملة لحماية الطفولة

في ظل تزايد حالات اختفاء الأطفال بعدد من مناطق المملكة خلال الأيام الأخيرة، عاد النقاش حول نجاعة منظومة حماية الطفولة إلى واجهة الاهتمام العام، وسط تنامي القلق داخل الأسر. هذه الوقائع المتقاربة زمنيا أعادت طرح سؤال الحماية الوقائية وحدود التدخل بعد وقوع الحوادث، في سياق يفرض قراءة جماعية للمسؤوليات.
في هذا الإطار، قال محمد النحيلي، رئيس منظمة بدائل للطفولة والشباب، إن اختفاء طفل واحد كفيل بأن يهز ضمير المجتمع ويزرع الخوف في نفوس الأسر، فكيف إذا تكررت الحالات وأصبحت مصدر قلق جماعي يمس الإحساس بالأمن المجتمعي، مؤكدا أن حماية الأطفال لا يمكن اختزالها في تدخلات أمنية ظرفية، بل تقتضي مقاربة مجتمعية شاملة تقوم على الوقاية والتربية واليقظة الجماعية إلى جانب الصرامة في تطبيق القانون.
وأوضح النحيلي أن المغرب راكم مكتسبات مهمة في مجال حماية الطفولة عبر ترسانة قانونية ومؤسساتية مدعومة بالتزاماته الدولية، غير أن التحدي الحقيقي يظل في فعالية التنزيل ومستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين، مضيفا أن تنامي بعض أشكال الجريمة المنظمة، وفي مقدمتها شبكات الاتجار بالبشر، يزيد من تعقيد الظاهرة، إذ تستهدف هذه الشبكات الفئات الهشة وتستغل الأطفال في أنشطة إجرامية، من بينها الاستغلال الجنسي والتسول القسري والاتجار غير المشروع.
وسجل المتحدث ذاته أن التحولات الرقمية أفرزت مخاطر جديدة، في ظل الانتشار الواسع للأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت بعض الفضاءات الرقمية مجالا للاستدراج والابتزاز عبر هويات وهمية تستهدف الأطفال، داعيا إلى تعزيز التربية الرقمية داخل الأسرة والمدرسة وتوعية الأطفال بكيفية التعامل الآمن مع الفضاء الرقمي، إلى جانب تطوير قدرات الأجهزة المختصة في مكافحة الجرائم السيبرانية المرتبطة بالأطفال.
كما نبه إلى خطورة الاعتداءات الجنسية التي قد تطال الأطفال في فضاءات يفترض أن تكون آمنة، معتبرا أن آثارها لا تقف عند حدود الأذى الجسدي بل تمتد إلى جراح نفسية عميقة، وهو ما يستدعي ترسيخ ثقافة حماية الجسد داخل البرامج التربوية وتمكين الأطفال من آليات التمييز بين السلوك السليم والسلوك المؤذي، مع توفير قنوات آمنة للتبليغ دون خوف أو وصم.
وشدد رئيس منظمة بدائل للطفولة والشباب على أن الأسرة تشكل الحلقة الأولى في منظومة الحماية من خلال المراقبة الإيجابية والحوار الدائم، فيما يتعين على المدرسة أن تضطلع بدور يتجاوز الوظيفة التعليمية التقليدية لتصبح فضاء للتربية على المواطنة والسلامة الشخصية، عبر إدماج برامج للتوعية بحقوق الطفل وقواعد الحماية الذاتية، مبرزا أهمية توظيف التكنولوجيا في دعم جهود الوقاية، من خلال تعزيز منظومة المراقبة بالفضاءات العامة ومحيط المؤسسات التعليمية بما يسهم في الحد من الجرائم وتسريع الأبحاث في حالات الاختفاء، مع التأكيد على ضرورة احترام الضوابط القانونية وضمان التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحياة الخاصة.
وخلص النحيلي إلى أن حماية الأطفال تمثل استثمارا استراتيجيا في مستقبل الوطن، وأن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى بناء رؤية وطنية متكاملة تقوم على الوقاية المبكرة والتنسيق المؤسساتي الفعال وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة.






