مثال للشرطي الرياضي والكاتب والمربي وعاشق الطفولة والشباب في رحاب الزمن، حيث تتقاطع الرياضة بالعلم، والتفاني بالثقافة، يولد القليل من الأفراد الذين يجمعون بين الانضباط العملي والروح الإنسانية والإبداع الأدبي. مصطفى ويسعدن واحد من هؤلاء، رجل رسم حياته بخطوط واضحة من الاجتهاد والتحدي، وصاغ من كل محطة في مسيرته حكاية ملهمة، بدءا من طفولته في تواركة، مرورا بالملاعب الدراسية والمهنية، وصولا إلى فضاءات الثقافة والفن والمبادرات التربوية. نسبر أغوار تجربته الإنسانية والمهنية، لنكشف عن رجل جعل من العطاء والتفاني أسلوب حياة. ولد مصطفى ويسعدن في التاسع والعشرين من أكتوبر 1963 بتواركة، تلك التربة التي احتضنت طفولته وحرصت على تنشئته في أجواء زاخرة بالقيم والتقاليد المحلية، ومنذ نعومة أظافره، أظهرت شخصيته اهتماما بالرياضة والانضباط، فكانت المدرسة الابتدائية "المشوار السعيد بتواركة" سنة 1970 أول محطة تعليمية، والتي لم يكن فيها مصطفى مجرد تلميذ متفوق، بل كان أيضا شغوفا بالكرة المستديرة، فانخرط في اتحاد تواركة لكرة القدم ضمن الفئات الصغرى كمهاجم، عاكفا على صناعة الأهداف ومتابعة لعبه بإصرار الطفل الطموح. شغف الكرة تأثير أخيه الكبير، محمد ويسعدن، الحارس الماهر لفريق القرض الفلاحي في القسم الوطني الثاني في الثمانينات، كان الأثر الأعمق على مسار مصطفى الكروي، إذ دفعه ذلك لإعادة النظر في موقعه داخل الملعب، والتحول من مهاجم إلى حارس مرمى، لينسج من ذاته حارسا يجمع بين الحنكة والانتباه، ومعرفة كيف يقرأ اللعب قبل أن يلعب. استكمل مصطفى مساره الدراسي في ثانوية الأميرة عائشة بالحي اليوسفي بالرباط، حيث نال شهادة الباكلوريا سنة 1985، متوجا رحلة تعليمية حملت بين طياتها الانضباط والجدية، وعلى الصعيد الرياضي، شهدت تلك الفترة صعوده مع فريقه تواركة سنة 1983 إلى القسم الأول، غير أن إصابة مفاجئة أجبرته على التوقف مؤقتا، قبل أن يلتحق سنة 1986 بفريق المهنيين "مكتب الصرف"، حيث شارك في تشكيلة مميزة ضمت أبرز اللاعبين أمثال فتاح لاعب الرجاء، وخالد الأبيض، والمغراوي، وعروبا، ليصقل مهاراته الكروية في بيئة احترافية وأخلاقية على حد سواء. لم تكن مسيرة مصطفى مقتصرة على الرياضة، بل امتدت إلى ميادين العلم والعمل الرسمي؛ ففي 1988 دخل الجامعة وحصل على شهادة "الدوك"، إلا أنه توقف عن متابعة الدراسة مؤقتا، إذ التحق في العام ذاته بصفوف الأمن الوطني كمفتش شرطة، أول محطة له كانت سنة 1989 في مطار الرباط سلا، قبل أن ينتقل إلى الإدارة المركزية للأمن الوطني ضمن شرطة الحدود، وبعد خمسة عشر عاما من الجد والعمل الدؤوب التحق بمفوضية شرطة سلا الجديدة وولاية أمن الرباط، ثم عاد ليواصل عطاءه في أمن سلا. رحلة العطاء الأدبي على مر السنوات، تدرج مصطفى في السلم الوظيفي، فقد أصبح مفتش شرطة ممتازا سنة 1999، ثم ملحقا بالمصالح الاجتماعية للأمن الوطني سنة 2002، وضابطا سنة 2006، ولم يقتصر اهتمامه على العمل الإداري فحسب، بل واصل طلب العلم، فحصل سنة 2010 على الإجازة المهنية في العلوم الأمنية من جامعة الحسن الأول بسطات، ثم إجازة في الأدب العربي من كلية محمد الخامس بالرباط سنة 2012، وخلال هذه الفترة، ساهم في مصلحة الأعمال الاجتماعية سنة 2010، بعدما تحولت إلى مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، ليترقى بعدها إلى ضابط ممتاز ورئيس المصلحة التربوية الاجتماعية بالمؤسسة، وصولا إلى رتبة عميد شرطة سنة 2018. رغم انشغاله بمسؤوليات الأمن الوطني، لم يفارق العمل الجمعوي، فقد كان مدير المخيمات الصيفية للأمن الوطني، وملهما للأطفال عبر أكثر من 150 نشيدا أصدرها، بداية بشريط "العناديل" سنة 2004، وكتاب "أنشد وألون كراسة الطفل" سنة 2016، ثم "أنشد وألون كراسة المربي"، كما أصدر في مجال الزجل المغربي كتاب "جود ليام" سنة 2021، و"فين زمن العرسى" سنة 2022، وأخيرا ديوانه "لاش يادمعة نزلتي" سنة 2025. ولم يقتصر نشاطه على الإنتاج الثقافي، بل شمل المبادرات التربوية والفنية؛ فقد نظم مسابقة الإبداع التربوي والفني أثناء جائحة كورونا لأبناء موظفي الأمن الوطني في مجالات الغناء والمسرح وتجويد القرآن والرسم، وعمل على تكوين أطر الجمعيات في الدورات التكوينية للمخيمات، مؤكدا اهتمامه المتواصل بتنشئة جيل واع ومبدع. بداية مسار جديد تقاعد مصطفى ويسعدن في 2023، لكنه لم يغلق أبواب العطاء، فواصل العمل في مجال الكتابة والنشاط الإعلامي على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يشارك بفيديوهات ومناقشات حول مواضيع رياضية واجتماعية، محافظا على شغفه بالطفولة، ومؤكدا أن مسيرة العطاء لا تنتهي بالتقاعد، بل تتحول إلى ساحة أوسع من الإبداع والتأثير. مصطفى ويسعدن، شخصية ملهمة، ضابط شرطة محترف، رياضي سابق، مرب وناشط ثقافي، أضاء طريق الأطفال والشباب، وجعل من حياته نموذجا للجدية والتفاني، يجمع بين الانضباط الرسمي والحرص على بناء المجتمع، مؤكدا أن الإنسان الذي يستثمر علمه وعمله في خدمة الآخرين، يترك بصمة لا تمحى على مر العصور. عبد الجليل شاهي (أكادير)