أخبار 24/24

دراسة تكشف أعطاب المنظومة التربوية في زمن الأزمات وتدعو إلى ترسيخ “الصمود التربوي”

تناول المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في ورقة تحليلية موضوع صمود المنظومة التربوية وضمان الاستمرارية البيداغوجية، مستندا إلى تجربتي جائحة كوفيد-19 وزلزال الحوز باعتبارهما محطتين مفصليتين لاختبار قدرة المدرسة المغربية على مواجهة الأزمات الكبرى.

الدراسة التي تنطلق من فرضية مفادها أن الأزمات الأخيرة لم تحدث اختلالات جديدة داخل المنظومة، بل كشفت أعطابا بنيوية كانت قائمة ولم تظهر بوضوح إلا تحت ضغط الظروف الاستثنائية.

وحسب الوثيقة، خلال جائحة كوفيد-19، وجدت المدرسة المغربية نفسها أمام انتقال مفاجئ إلى التعليم عن بعد، بما فرضه ذلك من تحديات رقمية وبيداغوجية. أما زلزال الحوز، فقد وضع المؤسسات التعليمية أمام رهانات إنسانية ولوجستيكية دقيقة، خاصة ما يتعلق بإعادة فتح المدارس وضمان استمرارية الدراسة في المناطق المتضررة. وفي الحالتين، أظهرت المنظومة قدرة على التفاعل والتكيف، لكنها كشفت في المقابل محدودية الاستعداد الاستباقي.

كما تبرز تمييزا بين مفهومين أساسيين: “الاستجابة للأزمات” و“الصمود التربوي” باعتباره قدرة على الاستباق وتقليص الخسائر التعليمية قبل حدوث الأزمة. ووفق هذا المنظور، فإن ما تحقق كان في معظمه استجابة ظرفية اعتمدت بدرجة كبيرة على اجتهادات الفاعلين التربويين والمبادرات المحلية، أكثر من اعتماده على آليات مؤسساتية مستقرة ومهيكلة.

وسجلت الدراسة أن المركزية في اتخاذ القرار أثرت أحيانا في سرعة التدخل الترابي، في ظل ضعف حضور التخطيط للأزمات داخل السياسات التعليمية. كما رصدت غياب آليات ممنهجة لتوثيق التجارب وتحويلها إلى ذاكرة مؤسساتية قادرة على دعم القرارات المستقبلية، مما جعل جزءا مهما من التدبير رهينا بالمبادرات الفردية للأطر الإدارية والتربوية.

ولفت المصدر ذاته إلى أن المناهج الدراسية صممت أساسا لظروف الاستقرار، الأمر الذي حد من قدرتها على التكيف السريع مع الانقطاعات الطويلة، إذ برزت إشكالات مرتبطة بصعوبة تكييف المضامين التعليمية، ومحدودية برمجة الدعم خلال فترات التوقف، فضلا عن غياب أدوات دقيقة لتقويم أنماط التعليم الجديدة، خاصة التعليم الهجين. كما أظهرت التجربة محدودية استعداد بعض المتعلمين للتعلم الذاتي، إلى جانب ارتفاع مستويات التوتر والضغط النفسي.

وأكدت الدراسة أن الأزمات لم تخلق فوارق تعليمية جديدة بقدر ما عمقت الفوارق المجالية والاجتماعية القائمة، خاصة لدى التلاميذ المنحدرين من أوساط هشة أو من مناطق تعاني ضعف البنية التحتية والولوج الرقمي. ففي الوقت الذي تمكنت فيه بعض المؤسسات من مواصلة التعلم رقميا، واجهت أخرى صعوبات كبيرة بسبب الإكراهات التقنية والجغرافية. ورغم تسجيل حضور قوي للتضامن المجتمعي، فإن غياب إطار مؤسساتي منظم حد من استثمار هذه الدينامية.

ومن بين أبرز توصيات الورقة الدعوة إلى إدماج الدعم النفسي والاجتماعي ضمن صلب السياسات التعليمية، باعتباره شرطا أساسيا لجودة التعلم، وليس مجرد إجراء ظرفي مرتبط بلحظات الطوارئ. كما شددت على ضرورة الانتقال من إصلاحات تقليدية تركز على البرامج والنتائج، إلى رؤية استراتيجية تجعل “الصمود التربوي” في صلب السياسة العمومية، عبر بناء منظومة تعليمية مرنة، قادرة على استباق الأزمات، وتقليص الفوارق المجالية والرقمية، وضمان الحق في التعلم في مختلف الظروف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم إضافة تمنع الإعلانات

نود أن نشكركم على زيارتكم لموقعنا. لكننا نود أيضًا تقديم تجربة مميزة ومثيرة لكم. لكن يبدو أن مانع الإعلانات الذي تستخدمونه يعيقنا في تقديم أفضل ما لدينا.