سيرة فنان لم يغادر الحي المحمدي حتى بعد الرحيل عاش فريد لمكدر صلبا مثل خشبة المسرح التي أحبها، ومضى مؤمنا بأن الفن لا يحرسه سوى أبنائه الحقيقيين، أولئك الذين يعيشونه التزاما يوميا لا مجرد هواية أو مهنة. ورحل الرجل أخيرا، لكن صوته وصورته ما زالا يترددان في أزقة وشوارع الحي المحمدي بالبيضاء، حيث صنع جزءا كبيرا من ذاكرة المكان الفنية والثقافية. رحل لمكدر، ففقدت الساحة الفنية أحد وجوهها المخلصة، التي بصمت المشهد المسرحي بإبداع هادئ وعمل دؤوب، إذ كرس سنوات طويلة لخدمة الفن والثقافة بروح المسؤولية والالتزام، حتى اعتبره الكثيرون تجربة إنسانية وفنية راكمت حضورها عبر أعمال ومبادرات تركت أثرا واضحاً في الذاكرة الثقافية، وجعلت منه صوتا من أصوات الفن الهادف المرتبط بقضايا الناس وهمومهم اليومية. كان لمكدر صديقا للفنانين جميعا، وعاشقا للمسرح وللظاهرة الغيوانية التي شكلت أحد أعمدة هويته الفنية، إذ رافق تجارب مجموعات خالدة مثل ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب وتكادة والسهام وغيرهم، وانتمى في بداياته إلى مجموعة "أهل الخلود"، قبل أن يواصل رحلته ضمن تجارب فنية متعددة، ظل خلالها وفيا لروح الفن أكثر من انشغاله بالشكل أو الأضواء. اشتغل الراحل في مجال التعليم، ثم تولى إدارة المخيمات الصيفية، حيث مارس التأطير الثقافي والفني لفائدة أبناء الحي المحمدي. وفي المسرح، خاض تجربة مسرح الهواة، قبل أن ينتمي إلى "مسرح الحي"، حيث جمع بين التشخيص والتأليف والإخراج، مقدما أعمالا حملت بصمته الخاصة وروحه الجميلة. لم يكن فريد لمكدر يغيب عن مهرجان ثقافي أو فني يحتضنه الحي المحمدي، فقد ظل واحدا من حراس ذاكرته الفنية، ومن أولئك الذين آمنوا بأن الثقافة فعل يومي يعيش وسط الناس لا داخل القاعات المغلقة فقط. واليوم، وهو يغادر بصمت الكبار، يبقى اسمه واحدا من الأسماء التي صنعت معنى الالتزام الفني، وترك خلفه سيرة فنان أحب الحياة عبر الفن، وأحب الفن عبر الناس. "توحشناك"، لأن الراحلين من طينة لمكدر لا يغيبون فعلا، بل يتحولون إلى أصوات خفية تسكن الذاكرة، وتذكر الجميع بأن الفن الحقيقي هو الذي يولد في الأزقة ويظل وفيا لها حتى النهاية. خالد العطاوي