مقالع غير قانونية تنهب أطنان منها في تهديد مباشر للتوازن البيئي والاقتصادي ينزف وادي سوس وروافده دون ضجيج، فيما تقتلع الرمال من حضنه كما لو أنها بلا صاحب، في واحدة من أخطر مظاهر الاستغلال غير المشروع للثروات الطبيعية التي تهدد حاضر المنطقة ومستقبلها، ويتحول ما يفترض أن يكون رصيدا طبيعيا مشتركا بإقليم تارودانت، إلى غنيمة مستباحة في وضح النهار، حيث تستنزف الرمال من أحشـاء الأودية وتنهب من مواقعها الطبيعية تحت ضغط الجشع وغياب الردع. تتقدم ظاهرة نهب وسرقة الرمال، خطوة بعد أخرى، لتفرض نفسها كـتهديد مباشر للتوازن البيئي والاقتصادي بالمنطقة، مخلفة وراءها تشويها للمجال الطبيعي، وإجهادا للفرشات المائية، وخسائر جسيمة تطول المال العام، وبين صمت مريب وتواطؤ محتمل، تتعاظم الكلفة البيئية والاجتماعية لهذا النزيف، ما يجعل القضية اليوم اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة والمجتمع على حماية ثرواتهما الطبيعية قبل أن تتحول الأودية إلى جروح مفتوحة لا تندمل. استنزاف مقلق تشهد أودية إقليم تارودانت، وعلى رأسها واد سوس، منذ سنوات، استنزافا مقلقا للرمال بفعل ممارسات غير قانونية تحول المجال الطبيعي إلى فضاء مفتوح للنهب، وتفشت ظاهرة سرقة الرمال من ضفاف الأودية، حيث يعمد بعض المتدخلين إلى استخراج كميات كبيرة من الرمل بوسائل بدائية أو آليات ثقيلة، ثم تسويقها داخل السوق المحلية أو توجيهها إلى أوراش بناء خارج الإقليم، في غياب أي إطار قانوني منظم. كما أن هذا الاستغلال العشوائي لم يعد حالات معزولة، بل اتخذ طابعا ممنهجا ومتواصلا، أسفر عن حفر جائر ومتكرر غير ملامح عدد من مقاطع الأودية، وجعل ضفافها أشبه بـمقالع مفتوحة، فاقدة لوظيفتها الطبيعية في تثبيت التربة وتنظيم جريان المياه، كما أدى هذا النزيف المتواصل إلى إضعاف البنية الجيولوجية للأودية، ورفع من مخاطر الانجراف والفيضانات، مخلفا آثارا بيئية بعيدة المدى يصعب تداركها. وبينما تتعالى التحذيرات من خطورة هذه الممارسات، يظل السؤال مطروحا حول حدود المراقبة والمسؤولية، وحول مدى نجاعة التدخلات الرامية إلى وقف هذا الاستنزاف الذي يهدد أحد أهم الروافد الطبيعية بالمنطقة. الفوضى والعشوائية تشهد المقالع بإقليم تارودانت وضعا مقلقا يتسم بالفوضى والعشوائية، في ظل اختلالات بنيوية عميقة كشفت عنها تقارير رسمية ومخرجات مهمة استطلاعية برلمانية، رسمت صورة قاتمة عن قطاع تحول، في عدد من المناطق، إلى بؤرة لاقتصاد الريع واستنزاف المال العام. واعتبر برلمانيو المهمة الاستطلاعية أن ملف المقالع يرتبط بشكل وثيق باقتصاد الريع،وسجلوا عدم التزام عدد من مستغلي المقالع بأداء المستحقات المالية لفائدة الجماعات الترابية، حيث يتزايد “الباقي استخلاصه” بشكل سنوي، ليتجاوز في بعض الجماعات الصغرى سقف 5 ملايين درهم، ما يطرح بإلحاح ضرورة حصر هذا المبلغ على المستوى الوطني، واعتماد آليات ناجعة لاستخلاصه وربط المسؤولية بالمحاسبة. وكشف الحبيب بليهي، رئيس جماعة إداوكيلال بإقليم تارودانت، عن معطيات خطيرة تتعلق باستغلال مقلع رملي ، تورطت فيه إحدى الشركات في عمليات تجريف واسعة للرمال، في خرق واضح للمساطر القانونية الجاري بها العمل. وأوضح بليهي أن الجماعة وجهت مراسلة إلى المصالح المختصة من أجل توقيف نشاط الشركة بالمقلع، وذلك بعد ثبوت عدم التزامها بتسديد مستحقات مالية لفائدة الجماعة طيلة سنتين متتاليتين، قبل أن تتوقف عن العمل دون تصفية وضعيتها القانونية والمالية. وأضاف أن الجماعة، وبعد تتبع الملف، وقفت على حجم الخسائر الناجمة عن هذا الاستغلال غير المشروع، حيث بلغت المستحقات غير المؤداة أزيد من 23 مليون سنتيم، مقابل استغلال مساحة تناهز 7 هكتارات من الرمال، دون تسوية الوضعية القانونية مع وكالة الحوض المائي، ودون احترام مسطرة تسوية مجرى الواد، مع إحداث حفر عميقة وتغيير مجرى الواد، في وقت لا يبعد فيه موقع المقلع عن التجمعات السكنية سوى بحوالي 50 مترا، ما يشكل خطرا حقيقيا على سلامة السكان والبيئة المحيطة. وأمام جسامة هذه الخروقات، أكد بليهي أن جماعة إداوكيلال لجأت إلى القضاء، من خلال رفع دعوى أمام المحكمة الإدارية ضد الشركة المستغلة، قصد ترتيب المسؤوليات القانونية وحماية حقوق الجماعة. حصر الفوضى وجه مبروك ثابت، عامل إقليم تارودانت، في أكتوبر الماضي، مراسلة رسمية إلى المديرية الإقليمية للتجهيز، دعاها من خلالها إلى القيام بمهمة استطلاعية ميدانية للوقوف على الوضعية الحقيقية لمقالع الرمال بالإقليم، في ظل ما يشهده هذا القطاع الحيوي من اختلالات وتجاوزات مقلقة في عدد من المناطق. ودعا عامل الإقليم إلى تشكيل لجنة تقنية متخصصة للانتقال ميدانيا إلى جماعة إداوكيلال، قصد معاينة ما يجري داخل أحد المقالع الرملية القريبة من سد "إيمي الخنك"، والذي أصبح محط جدل واسع، بسبب ما ينسب إليه من أضرار بيئية واقتصادية واجتماعية، في مقابل غياب أي انعكاس إيجابي ملموس على مستوى التنمية المحلية. ويرتقب أن تفضي نتائج هذه المهمة الاستطلاعية إلى اتخاذ قرارات حازمة في حق المخالفين، ووضع حد لحالة الفوضى التي طبعت تدبير بعض المقالع، بما يكرس سلطة القانون ويعيد الاعتبار لمصلحة الإقليم وسكانه، في خطوة تعكس الجدية والصرامة في التعاطي مع ملف مقالع الرمال. عبد الجليل شاهي (أكادير)