مياه الصرف الصحي تقتحم المنازل وذاكرة فيضانات الماضي تطفو من جديد لم تكن التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها القصر الكبير طيلة الأيام الأخيرة مجرد أرقام في نشرات الطقس، بل تحولت إلى معاناة يومية قاسية لعدد من الأسر والتجار، بعدما تسربت مياه الأمطار الممتزجة بمياه الصرف الصحي إلى منازلهم ومحلاتهم، مخلفة أضرارا مادية كبيرة، وشللا شبه تام في عدد من المرافق والأنشطة الاقتصادية. سكان الأحياء المنخفضة بالمدينة، باب الواد ودوار احسيسن وحي الأندلس والسويقة... يعيشون اليوم حالة من القلق الشديد بعدما غمرت المياه أرضيات منازلهم، وأتلفت الأثاث والأجهزة المنزلية، وسط روائح كريهة ناجمة عن اختلاط مياه الأمطار بقنوات التطهير، في مشاهد أعادت إلى الذاكرة سيناريوهات فيضانات سابقة لم تندمل جراحها بعد، حيث أكد عدد من المتضررين أن المياه تسربت لمنازلهم بسرعة كبيرة عبر قنوات الصرف الصحي، ما أجبرهم على قضاء الليل في ظروف صعبة. ولم تسلم المتاجر بدورها من تداعيات الوضع، إذ تكبد عدد من التجار، خاصة بالمدينة العتيقة والأسواق التقليدية، خسائر فادحة بعد أن غمرت المياه السلع والبضائع المعروضة للبيع، ما أجبر بعضهم على إغلاق محلاتهم مؤقتا. كما أدى الوضع إلى توقف جزئي لأنشطة مهنية ومرافق خدماتية، في وقت تعثرت فيه حركة السير بعدد من المقاطع الطرقية، وزادت معاناة التنقل اليومي للسكان. وامتدت انعكاسات هذه الأوضاع الخطيرة إلى القطاع التعليمي، حيث تقرر توقيف الدراسة بعدد من المؤسسات التعليمية، كإجراء احترازي، بسبب صعوبة الولوج إليها ومخاوف تتعلق بسلامة التلاميذ والأطر التربوية، في ظل استمرار التساقطات وارتفاع منسوب المياه ببعض المحيطات المدرسية. هذه الوضعية المتأزمة أعادت إلى الواجهة ذاكرة فيضانات ستينات وسبعينات القرن الماضي، حين كانت سيول وادي اللوكوس، الذي يمر بمحاذاة المدينة، تجتاح أحياء واسعة من القصر الكبير، متسببة في خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، قبل إحداث السد وتجهيز المدينة ببنية تحتية وقائية. وفي مواجهة هذا الوضع، رفعت السلطات الإقليمية والمحلية من درجة التأهب، وفعلت مخططا استباقيا شمل تعبئة مختلف المصالح المعنية، من سلطات محلية وأمنية، ووكالة الحوض المائي اللوكوس، والشركة الجهوية متعددة الخدمات، إلى جانب الجماعة الترابية للقصر الكبير. وشملت تلك الإجراءات، وضع حواجز رملية بالقرب من المنازل المهددة، إلى جانب تسخير موارد بشرية ولوجستية إضافية، وتعزيز تدخلات تصريف المياه، لتفادي أي خطر محتمل قد يهدد سلامة السكان وممتلكاتهم. وبموازاة التدخلات الميدانية، أصدرت السلطات الإقليمية والجماعة الترابية بلاغات تحذير دعت فيها المواطنين إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، وتفادي المناطق المنخفضة ومجاري المياه، مع الالتزام بتوجيهات السلامة، في ظل استمرار التقلبات المناخية الاستثنائية التي تعرفها المنطقة. المختار الرمشي (طنجة)