إضراب المحامين أثر على حيويتها وملفات بتهم ثقيلة عرضت أمام هيأة الحكم في حدود الساعة الواحدة زوالا، من الخميس الماضي، بدت محكمة القطب الجنحي بابتدائية الجديدة بإيقاع غير مألوف. بوابة المحكمة التي اعتادت على صخب المحامين، وهمس عائلات المعتقلين، وخطى المتقاضين المتسارعة، بدت هذه المرة أكثر هدوءا، أقرب إلى الصمت الذي يسبق حدثا غير عاد. في البهو، كان الفراغ لافتا، والمقاعد التي طالما ازدحمت بوجوه قلقة ونظرات مترقبة، بدت خالية إلا من بعض المتقاضين الذين حملتهم الضرورة إلى هذا الموعد القضائي المختلف. جلسة الخميس الماضي لم تكن كسابقاتها. إضراب هيأة المحامين بالمغرب، الذي التزمت به هيأة الجديدة، ألقى بظلاله الثقيلة على أجواء المحكمة، فغاب المحامون كليا عن الجلسات والإجراءات، لتشل الحركة القضائية تقريبا، لا على مستوى القطب الجنحي فحسب، بل شملت أيضا محكمة الاستئناف وقضاء الأسرة. ذلك الغياب لم يكن مجرد رقم في سجل الإضرابات، بل كان ملموسا في تفاصيل المكان، في نظرات الموظفين، وفي الطريقة التي دخل بها القضاة القاعة بهدوء غير مألوف. ظروف استثنائية داخل قاعة الجلسات، انتظم المشهد القضائي وفق إيقاعه الرسمي المعتاد، لكن بصفة استثنائية. هيأة الحكم، التي ترأسها القاضي خالد سلكان، بمعية المستشارين محمد صبحي وحنان البكار، اتخذت مكانها على المنصة، بينما تولى ممثل الحق العام، توفيق مستعد، مهامه في الدفاع عن المجتمع، في حين أشرف بوشعيب المهادي على كتابة الضبط، مسجلا تفاصيل جلسة ستظل عالقة في ذاكرة المحكمة. ورغم الغياب الكلي للمحامين، حافظت القاعة على نوع من الانضباط الهادئ، كأن الجميع يدرك حساسية اللحظة واستثنائيتها. اللافت في هذا اليوم لم يكن فقط غياب المحامين، بل أيضا الغياب شبه التام لعائلات المعتقلين، التي اعتادت ملء أروقة المحكمة بقلقها وأسئلتها وانتظارها الطويل. بدا وكأن الإضراب لم يشل الحركة المهنية فحسب، بل أحدث فراغا إنسانيا أيضا، خفف من ضجيج المكان، لكنه زاد من ثقله الرمزي. معتقلون حضروا إلى داخل القاعة، ووجوههم تجمع بين الترقب والحذر، يتابعون أطوار الجلسة دون سند دفاعي، في انتظار ما ستسفر عنه قرارات هيأة الحكم. ورغم كل تلك الظروف الاستثنائية، مرت الجلسة في أجواء عادية نسبيا، إذ تمت مناقشة بعض الملفات، وتأجيل أخرى، بعد أن التمس عدد من المتابعين منحهم مهلة لتعيين محامين للدفاع عنهم، وهو الطلب الذي لقي موافقة هيأة الحكم. ملفات مؤجلة مع توالي النظر في القضايا، بدأت ملامح الجلسة تتضح أكثر، وتكشف عن حجم الملفات المعروضة، في يوم قضائي استثنائي فرض إيقاعه الخاص. فقد عرفت الجلسة نفسها تأجيل خمسة عشر ملفا، لأسباب تعددت بين منح مهلة لإعداد الدفاع، أو انتظار إنجاز خبرات طبية، أو تمكين المتابعين من الاطلاع على مطالب الطرف المدني، وهي قرارات عكست حرص هيأة الحكم على احترام الضمانات القانونية، رغم الظرفية التي انعقدت فيها الجلسة. الملفات المؤجلة جمعت بين قضايا مختلفة، كان "أبطالها" جانحين وجدوا أنفسهم فجأة خلف أسوار المحكمة، بسبب التهور، أو قلة الاحترام، أو العنف، في وقائع مثيرة تطرح أكثر من علامة استفهام حول سلوكات كان بالإمكان تفاديها، والابتعاد عن مسارات تقود مباشرة إلى السجن. مشاهد الندم بدت واضحة على بعض الوجوه، خاصة حين تتلى التهم ببرودة القانون، فيصطدم المتابعون بثقل أفعالهم وعواقبها. التماس لتعيين الدفاع ومن بين القضايا التي استأثرت بالاهتمام، ملف يتعلق بإصدار شيكات بدون مؤونة، بلغت قيمتها حوالي 220 مليون سنتيم، كان المتهم، الذي يشتغل في مجال تربية الدواجن، قد سلمها للمشتكين دون أن تتوفر له السيولة المالية الكافية. هيأة الحكم قررت تأجيل الملف، لإتاحة الفرصة للمتهم من أجل تعيين محام، وكذا تمكينه من الاطلاع على مطالب الطرف المدني، في قرار يعكس توازنا بين تطبيق القانون وضمان حقوق الدفاع. كما تقرر تأجيل عدد من الملفات المرتبطة بترويج الممنوعات، بعد مثول مروجين متابعين في حالة اعتقال، صادف موعد محاكمتهم يوم الإضراب. هؤلاء، وبعد إدراكهم لحساسية الوضع، التمسوا من المحكمة منحهم مهلة أخيرة لانتداب دفاعهم، وهو الطلب الذي وافق عليه رئيس الهيأة، القاضي خالد سلكان، بعد استشارة باقي أعضاء الحكم، في انسجام واضح وتناغم مهني لافت. خلال تتبع أطوار الجلسة، كان جليا أن هيأة الحكم تسير الملفات المعروضة بثبات وهدوء، وبمسار قانوني محسوب الخطوات، تفاديا لأي هفوة قد تسجل، خاصة في ظل غياب المحامين. مناقشة القضايا مع تقدم أطوار الجلسة، وبعد الاطلاع الدقيق على الملفات المعروضة، قررت هيأة الحكم تجهيز ثمانية ملفات للمناقشة، مثل على ذمتها تسعة متهمين في حالة اعتقال. في تلك اللحظات، بدأت القاعة تستعيددشيئا من توترها المعتاد، وتحول الصمت الذي خيم في البداية إلى إنصات مشدود، فكل ملف يحمل حكاية، وكل متهم يقف أمام العدالة حاملا تاريخه واختياراته، أو ما تبقى منها. سبعة من أولئك المتهمين ارتبطت قضاياهم بترويج الممنوعات، من الكيف ومشتقاته، إلى "الشيرا"، وصولا إلى مسكر "ماء الحياة". وجوه مألوفة لرواد المحاكم، أغلبهم من ذوي السوابق في هذا المجال، سبق أن ذاقوا مرارة العقوبات السالبة للحرية، وعادوا اليوم إلى القاعة نفسها، بالتهم نفسها تقريبا. كان واضحا أن الزمن مر عليهم بثقله، ملامح أنهكها السهر والخوف، وأجساد تحمل آثار سنوات من المطاردة والاختباء. ورغم تقدمهم في السن، ورغم أن لبعضهم أبناء وعائلات تنتظرهم خارج الأسوار، فإنهم لم ينجحوا في تغيير هذا المسار، الذي لم يجلب لهم سوى قلة الصحة، وتآكل العمر، وتكرار الوقوف في قفص الاتهام، وكأنهم أسرى دائرة مغلقة يصعب الفكاك منها. وفي مشهد مختلف، مثل شاب لا يزال في مقتبل العمر، يبلغ من العمر تسع عشرة سنة، يتابع دراسته متدرب في التكوين المهني، يتحدر من جماعة مولاي عبد الله. وجد نفسه فجأة متابعا في حالة اعتقال من قبل وكيل الملك، من أجل جنح حيازة شهب اصطناعية بدون مبرر مشروع، والسياقة الاستعراضية. شاب كان من المفترض أن يكون على مقاعد الدراسة وقريبا من الحلم بمستقبل أفضل، لكنه اختار لحظة تهور قادته إلى السجن. أحمد سكاب (الجديدة)