ترف مؤجل يرى فؤاد أيوب، أحد الفاعلين في القطاع السياحي، أن معضلة السياحة الداخلية بالمغرب لا ترتبط بفتور الرغبة لدى المغاربة، بقدر ما تعكس اختلالا عميقا في معادلة القدرة الشرائية، فالمغاربة "باغيين يديرو السياحة الداخلية"، يقول أيوب، غير أن الصيغة الحالية تجعلها بعيدة عن متناول فئات واسعة، في إشارة واضحة إلى فجوة آخذة في الاتساع بين العرض السياحي وواقع الدخل اليومي للأسر. ويؤكد أيوب، أن الإقبال موجود، بل ويتزايد كلما سنحت الفرصة، غير أن كلفة الإقامة، وارتفاع أسعار النقل، وتضخم أسعار الخدمات المرتبطة بالسفر، تحول العطلة من حق طبيعي إلى ترف مؤجل، لا يستفيد منه إلا القادرين، هذا الوضع، يفرغ مفهوم السياحة الداخلية من مضمونه الاجتماعي، ويجعلها رهينة منطق السوق بدل أن تكون رافعة للتوازن الاقتصادي والمجالي. كما شدد أيوب على أن الرهان الحقيقي يمر عبر مراجعة جذرية للرؤية المؤطرة للسياسات السياحية، والانتقال من تصور يضع السائح الأجنبي في صدارة الاهتمام، إلى تصور يعترف بالمواطن المغربي كعمود فقري للدورة السياحية. فالعطلة، في نظره، يجب أن تعامل كحق اجتماعي، يستدعي عروضا مرنة تراعي دخل الطبقة المتوسطة والفئات الهشة، وتحفيزات ملموسة لمهنيي الإيواء والنقل، إلى جانب برامج موسمية متوازنة تجمع بين الجودة والكلفة المعقولة. واعتبر أيوب السياحة الداخلية ليست مجرد بديل ظرفي لتعويض تراجع السياحة الخارجية، بل خيار إستراتيجي لبناء قطاع مستدام، قادر على تحقيق العدالة المجالية، وضخ دينامية جديدة في الاقتصاد المحلي، شرط ألا تتحول إلى عبء إضافي يثقل كاهل المواطن بدل أن يمنحه متنفسا مستحقا. (فاعل سياحي) برامج خاصة أكد يوسف زنيظ، صاحب مأوى سياحي ، أن السياحة الداخلية ما تزال تصطدم بعائق كلفة الأسعار والخدمات، التي باتت بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المغاربة، في ظل تراجع قدرتهم الشرائية، وأوضح أن الإقبال على هذا النوع من السياحة يظل ظرفيا وموسميا، يتركز أساساخلال فصل الصيف والعطل المدرسية، وهو ما يولد ضغطا كبيرا على العرض المتوفر، ويفاقم من منطق الغلاء. ولم يقف زنيظ عند حدود الأسعار، بل حمل الخلل لبنية العرض السياحي نفسها، مشيرا إلى ندرة العروض المصممة خصيصا لفائدة المغاربة، وغياب باقات عائلية بأسعار معقولة، مقابل ضعف واضح في البنيات السياحية الاقتصادية، من قبيل النزل المنظمة، ودور الضيافة المؤطرة، فضلا عن غياب التخييم المهيكل القادر على استقطاب الأسر والطبقة المتوسطة. إن تجاوز هذه الإكراهات يظل ممكنا، شريطة اعتماد مقاربة عملية تقوم على تشجيع اكتشاف وجهات أقل شهرة وكلفة، وتوسيع ثقافة السفر خارج فترات الذروة، إلى جانب الاستثمار في السياحة القروية والبيئية. كما شدد على أهمية مواكبة المبادرات المحلية التي نجحت في تقديم خدمات محترمة بأسعار في المتناول، باعتبارها مدخلا أساسيا لإعادة الاعتبار للسياحة الداخلية وجعلها خيارا واقعيا للمغاربة، لا امتيازا موسميا. (صاحب مأوى سياحي) استقاهما: عبد الجليل شاهي (أكادير) سياحة للاستنزاف صراحة، لم أعد أفهم كيف يطلب من المواطن المغربي تشجيع السياحة الداخلية في ظل هذا الغلاء الفاحش. فعائلة مكونة من أربعة أفراد تحتاج اليوم إلى ميزانية خيالية لقضاء أسبوع واحد بإحدى المدن السياحية. أسعار الفنادق لا تطاق. الشقق المفروشة تعرض بأثمنة خيالية رغم افتقارها لأبسط الشروط، والمطاعم تستغل الموسم لفرض أسعار لا علاقة لها بما يقدم فعليا،كأن السائح المغربي فريسة موسمية يجب استنزافها. فالأسعار تفرض بمنطق الفوضى، وتتغير بين عشية وضحاها، خاصة في الصيف ونهايات الأسبوع، في غياب شبه تام للمراقبة أو الردع، وهو ما جعل السياحة الداخلية في المغرب ليست خيارا ترفيهيا، بقدر ما تحولت إلى مصدر ضغط نفسي ومالي على الأسر، لا سيما ذات الدخل المتوسط. هذا الواقع يدفع عددا متزايدا من المغاربة إلى مقارنة هذه الأثمنة مع عروض خارجية أكثر عقلانية. ففي تركيا أو إسبانيا أو البرتغال مثلا، يحصل السائح على عروض سياحية متكاملة تشمل الإقامة، والنقل، والتغذية بأسعار تنافسية، مع احترام صارم لجودة الخدمات وشفافية الأسعار. وهو ما يفسر تزايد إقبال المغاربة على هذه الوجهات، ليس بحثا عن الترف، بل عن معادلة منصفة بين السعر والخدمة. هذا الوضع،يعني أن السياحة الداخلية لا تعاني قلة الإقبال بل انعدام الثقة. فحين يشعر المواطن أنه مستهدف في جيبه، يضطر إلى تقليص مدة الإقامة أو التخلي عنها كلياأو البحث عن وجهة تتناسب مع إمكانياته حتى ولو كانت خارج الحدود. (فاعل في المجال السياحي بطنجة) برامج فارغة رغم تعدد البرامج والإستراتيجيات التي تعلنها الدولة لتشجيع ودعم السياحة الداخلية، إلا أن الواقع يكشف فشلا ذريعا في تحويل هذه الشعارات إلى نتائج ملموسة، حيث يظل أثرها محدودا ولا تنعكس على سلوك المصطاف المغربي.فالمبادرات التي يروج لها تحت عناوين جذابة بقيت، في الغالب، حبيسة الخطاب الدعائي، دون أن تتحول إلى عروض عملية ومستدامة تستهدف الطبقة المتوسطة والفقيرة، التي تشكل القاعدة العريضة للسياحة الداخلية. فالدعم العمومي، الذي تخصصه الدولة لتشجيع السياحة الداخلية لم يوجه إلى المستفيد الحقيقي، بل يستفيد منه مهنيون يواصلون فرض أثمان مرتفعة دون حسيب أو رقيب. فلا التزامات تحترم، ولا جودة تفرض، ولا مراقبة تفعل، إذ نجد أن برامج التخفيضات الموسمية غالبا ما تكون ظرفية، وتفتقر إلى الاستمرارية، كما أنها لا تشمل مختلف جهات المملكة، ما يكرس تفاوتا مجاليا واضحا في الاستفادة من العرض السياحي،والنتيجة هي أن السائح الداخلي يدفع الثمن مرتين: مرة من جيبه، ومرة من ثقته في السياسات العمومية. فإذا كانت الدولة جادة فعلا فيما تروجه، فعليها أن تبدأ بربط أي دعم باحترام التزامات واضحة، مع مراقبة الأسعار والتشديد على معايير الجودة. غير ذلك، سنظل نسمع عن فشل متكرر، وسنظل نرى المغاربة يصرفون أموالهم خارج البلاد، ليس حبا في الخارج، بل هروبا من سياحة داخلية لا تحترم أبناءها. (مستثمر في قطاع السياحة بطنجة) استقاهما: المختار الرمشي (طنجة) فجوة واضحة "ينظر الكثيرون للسياحة الداخلية على أنها رفاهية لا جدوى منها ونشاط ثانوي لا قيمة له، لكن الحقيقة مختلفة تماما، فهي تدخل في صميم الحاجات الاجتماعية المهمة وتمنح الأسر فرصة استعادة علاقتها بالمجال، وتقوي صلتها بتاريخ وجغرافية الوطن، وتنشط الاقتصاد المحلي، وتخفف الضغط عن المدن الكبرى، وتسهم في توزيع أكثر عدالة لعائدات التنمية. ومن هذا المنظور، تعد السياحة الداخلية مؤشرا على قدرة المجتمع على جعل المجال المشترك متاحا وقابلا للعيش. غير أن الواقع يكشف فجوة واضحة بين السياحة الداخلية حقا متاحا لجميع المغاربة نظريا، والقدرة الفعلية على الاستفادة منه. فالمجال ليس محايدا، بل خاضعا لمنطق السوق الملتهب، فحين تصبح الشواطئ والجبال والمدن التاريخية متاحة قانونيا للجميع لكنها مكلفة اجتماعيا، نكون أمام مجال مفتوح نظريا ومغلق عمليا؛ لأن السياحة الداخلية لا تقاس بعدد الفنادق ولا بتنوع الجهات والفضاءات، بل بمدى عدالة الولوج إليها. وأعتقد أن المشكل راجع لعوائق شتى منها التسعير المرتفع الموجه أساسا للفئات القادرة أو للسائح الأجنبي، خاصة خلال فترات الذروة، ما يحول السياحة الداخلية إلى ممارسة موسمية وانتقائية بدل أن تكون سلوكا اجتماعيا طبيعيا. ويزيد الوضع تعقيدا ضعف النقل العمومي، وتركيز العرض السياحي في مناطق محددة، ما يحرم أماكن كثيرة من البلاد من زيارة السياح. (حقوقي وفاعل جمعوي) حرمان نسبي "إن سؤال قدرة المغاربة على تكاليف السياحة الداخلية، لا يمكن اختزاله في معادلة حسابية بسيطة تتعلق بالدخل والمصاريف فحسب، بل هو إشكال سوسيولوجي واقتصادي مركب يعكس عمق التحولات التي شهدتها البنية الاجتماعية المغربية في العقود الأخيرة. المجتمع المغربي، سيما الطبقة المتوسطة الصاعدة، يشهد تحولاً جذرياً في منظومة القيم وأنماط العيش. ومفهوم السفر انتقل من وظيفته التقليدية المرتبطة ب"صلة الرحم" والواجبات الاجتماعية أو الدينية، إلى وظيفة حداثية ترتبط ب"الترفيه" و"استعادة الذات" و"الهروب من ضغط المدن". هذا التحول جعل من العطلة حاجة سيكولوجية واجتماعية ملحة، بل وعلامة من علامات الحراك الاجتماعي والوجاهة، حيث أصبح السفر جزءاً من الرأسمال الرمزي للأسر. بيد أن هذه "الرغبة المجتمعية" المتنامية تصطدم بصخرة "البنية الهيكلية" للعرض السياحي الوطني. الملاحظ أن الهندسة السياحية في المغرب شيدت تاريخياً بناءً على نظرة الأخر أي أنها صممت لاستقطاب السائح الأجنبي ذي القدرة الشرائية المرتفعة بالعملة الصعبة. هذا التوجه خلق نوعاً من الفصل المجالي، حيث نجد مؤسسات فندقية ومنتجعات مصنفة تشتغل بمنطق التعامل مع المواطنين حسب المكانة والصفة ولا تضع في خدماتها عروض تتناسب والدخل الفردي المحلي وتسمح لجل الطبقات الاجتماعية اقتحام المجال. هذا الاختلال يولد شعوراً بما يصطلح عليه في علم النفس الاجتماعي ب"الحرمان النسبي"، حيث يجد المواطن نفسه عاجزاً عن الولوج إلى فضاءات ترفيهية داخل وطنه، مما يعمق الشعور بالتهميش. وفي السياق ذاته لا يقف المواطن المغربي مكتوف الأيدي ليبرز الذكاء الاجتماعي للمغاربة في ابتكار حلول بديلة لتجاوز هذا الإقصاء الاقتصادي. كما إن السياحة الداخلية في المغرب قائمة في جزء كبير منها على الاقتصاد غير المهيكل وشبكات التضامن الاجتماعي. فبدلاً من الاعتماد على القطاع الفندقي المصنف، تلجأ الأسر إلى كراء الشقق المفروشة (السكن الاقتصادي)، أو الإقامة عند الأقارب، أو ارتياد المناطق الجبلية والريفية الأقل تكلفة. هذه الممارسات ليست مجرد خيارات اقتصادية اضطرارية، بل هي إعادة إنتاج لنمط سياحي يزاوج بين الرغبة في الترفيه وبين محدودية الإمكانات، مما يجعل الأرقام الرسمية للسياحة عاجزة أحياناً عن رصد الحجم الحقيقي لحركية المغاربة، لأن جزءاً كبيراً منها يتم خارج المراقبة. وعليه، يمكن القول إن المغاربة قادرون على السياحة الداخلية، ولكن بشروط قاسية تفرضها بنية السوق. إنهم يمارسون حقهم في المجال عبر المقاومة الاقتصادية، في ظل غياب سياسات عمومية حقيقية لدمقرطة السياحة وتجعلها خدمة عمومية متاحة للجميع وليست ترفاً نخبوياً. فالأزمة ليست أزمة طلب أو ثقافة، بل هي أزمة عدالة مجالية وعرض لا يراعي الخصوصية السوسيواقتصادية للمواطن المحلي ذو الدخل المحدود". (مساعدة اجتماعية) استقاهما: حميد الأبيض (فاس)