مروج مخدرات وصديقه تورطا في ارتكاب الجريمة وتغيير معالمها في صباحٍ بارد على غير عادة الجديدة، كان الضباب الخفيف ينساب ببطء فوق الطريق الساحلية، كأنه ستار خجول يحاول إخفاء سر ثقيل. عند منعرج قريب من قارعة الطريق المتجهة نحو مراكش ، توقفت الحياة فجأة، لا بصوت انفجار ولا بنداء استغاثة، بل بسكون مريب لا يقطعه سوى هدير البحر البعيد. هناك، على هامش الإسفلت، استلقت جثة شابة في مقتبل العمر. جسد هامد تحيط به رائحة عطر نفاذة، عطر لا يشبه المكان ولا اللحظة، كأنه وضع بعناية ليقول شيئا لا يفهمه إلا من اعتاد قراءة رسائل الموت. لم تكن الساعة قد تجاوزت الفجر، حين تلقت مصلحة حوادث السير بأمن الجديدة اتصالا مقتضبا، صوت متوتر يبلغ عن "جثة امرأة " ملقاة بجانب الطريق. في مثل هذه الحالات، تتشابه البلاغات وتختلف النهايات، لكن شيئا ما في نبرة المتصل جعل المسؤول المناوب يشعر بأن الأمر يتجاوز حادثة سير عادية. دقائق قليلة كانت كافية لتتحرك الدوريات، ويبدأ التنسيق مع عناصر المصلحة الإقليمية للشرطة، بينما كانت الشمس تحاول شق طريقها إلى السماء، غير مدركة أنها ستشرق على لغز معقد. مشهد مربك في موقع الجثة، بدا المشهد مرتبكا، لا آثار اصطدام واضحة، ولا مركبة محطمة، فقط جسد شابة بلا حراك، وعبق عطر قوي يختلط برائحة البحر والرطوبة. التفاصيل الصغيرة كانت تصرخ في صمت. وضعية الجثة، خلو المكان من الفوضى، والعطر… ذلك العطر الذي لا يوضع صدفة، ولا يختار عبثًا. منذ الوهلة الأولى، تسلل الشك إلى الأذهان، هنا لا يتعلق الأمر بحادث عرضي، بل بفعل فاعل يعرف ما يفعل. في تلك الأثناء، كان المراقب العام المتقاعد، أخيرا، مصطفى رمحان يستدعى من هدوء صباحه. رجل خبر مسارات الجريمة كما يتقن قراءة الوجوه، يدرك أن الجرائم الكبرى لا تعلن عن نفسها بضجيج، بل تهمس بإشارات دقيقة. وبمجرد اطلاعه على المعطيات الأولية، حسم أمره داخليا، هذه جريمة مدبرة، اختارت الزمان والمكان بعناية. على بعد كيلومترات قليلة، داخل مكتب الشرطة القضائية، كان المسؤول يناقش ملفات متهمين وضعوا تحت تدابير الحراسة النظرية، استعدادا لتقديمهم أمام النيابة العامة. روتين يومي مألوف، قبل أن يخترقه الخبر كطعنة مفاجئة. اتصال واحد كان كافيا ليغير إيقاع اليوم، ويعلن بداية تحقيق سيقود الجميع إلى متاهة من الأسرار، حيث العطر ليس مجرد رائحة، بل مفتاح لغز دموي ينتظر من يفك شفرته. سباق مع الزمن مع بزوغ خيوط الصباح الأولى، كانت عناصر القسم الجنائي قد باشرت تحرياتها الميدانية بتنسيق محكم مع مصلحة حوادث السير، في سباق صامت مع الزمن لفك لغز الجثة التي أربكت المدينة. لم يعد المكان مجرد محور طرقي عابر عند المدخل الجنوبي للجديدة، بل تحول إلى مسرح جريمة مفتوح، تحيط به الأسئلة أكثر مما تحيط به الأشرطة الأمنية. بالقرب من السد القضائي الذي تؤمنه العناصر الأمنية ليلا ونهارا، وجد الجسد ممددا في وضعية لا تشبه ضحايا الحوادث العرضية، كأن من وضعه هناك أراد له أن يكتشف، لا أن يدهس. الحارس الليلي، أول من عثر على الجثة، كان ما يزال تحت وقع الصدمة. رجل اعتاد السكون والظلال، لم يتخيل أن جولته الروتينية ستقوده إلى وجه شابة شاحب، ملامحها جامدة، ورأسها يحمل آثار إصابة غائرة. شهادته الأولى كانت مقتضبة لكنها حاسمة: "لم أسمع شيئا… لا صراخ، لا ارتطام" ، فقط كانت هناك " هذه ... اللاشيء" كانت كافية لتشعل شكوك المحققين، فغياب الضجيج في مكان يفترض أن يشهد حركة متواصلة، لم يكن طبيعيا. خيوط الجريمة لم يأت سقوط القاتل وشريكه دفعة واحدة، بل بدأ بخيط بدا في البداية عاديا، قبل أن يتحول إلى دليل حاسم. أثناء الاستماع إلى إحدى معارف الضحية، أكدت، بنبرة مترددة، أن الشابة لم تكن تعيش حياة مستقرة كما كانت تبدو لعائلتها، فقد كانت تتنقل بين بيت الأسرة وحي البركاوي، حيث اعتادت المبيت أحيانا، إضافة إلى غرفة كانت تكتريها بشكل متقطع. هذا التصريح فتح أعين المحققين على عالم خفي في حياة الضحية، وأخرج التحقيق من دائرة الفرضيات العامة إلى مسار محدد. وبالعودة إلى محيط الغرفة، تمكنت العناصر الأمنية من جمع معطيات إضافية عن الأشخاص الذين كانوا يترددون عليها، ليتكرر اسم شخص واحد بشكل لافت، شاب معروف في محيط الحي الصناعي بنشاطه في ترويج المخدرات. المعلومة لم تكن كافية وحدها، لكنها انسجمت بشكل دقيق مع طبيعة الإصابة، والتوقيت الليلي، ومحاولة طمس معالم الجريمة. اعترافات القاتل تحت ضغط التحريات الميدانية والمراقبة السرية، تم رصد تحركات المشتبه فيه، الذي بدا مرتبكا منذ انتشار خبر العثور على الجثة. لم يطل الأمر كثيرا حتى تم إيقافه بالقرب من الحي الصناعي، في وقت كانت الشبهات قد توسعت لتشمل أحد أصدقائه المقربين، الذي شوهد برفقته في الليلة نفسها. وأمام تضييق الخناق، انهارت الرواية الأولى للمشتبه فيه. فاعترف بأن شجارا عنيفا نشب بينه وبين الضحية، انتهى بتوجيه ضربة قاتلها على الرأس. وبعدما أيقن أنها فارقت الحياة، لجأ رفقة شريكه إلى نقل الجثة ليلا ورميها وسط الطريق، في محاولة لتصوير الواقعة على أنها حادثة سير مقرونة بالفرار. غير أن تصريح إحدى معارفها ، وما تلاه من تحريات دقيقة، كان الشرارة التي أسقطت القناع، وحولت لغز الطريق إلى جريمة قتل مكشوفة، أنهت فصلًا مظلما من حياة الضحية، وفتحت باب العدالة على مصراعيه. أحمد سكاب (الجديدة)