توحيد الممارسات المهنية لنجاعة البحث القضائي وحماية الضحايا في أجواء اتسمت بالجدية والمسؤولية واستحضار البعد الإنساني، عقدت اللجنة الجهوية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف لدى محكمة الاستئناف بالجديدة، أخيرا، اجتماعها السنوي، مسدلة الستار على حصيلة عمل مكثف وصف بالإيجابي، نفذ وفق برنامج محكم سطر منذ مطلع السنة، وشمل سلسلة من الأنشطة والمبادرات الرامية إلى تعزيز الحماية القانونية والقضائية والإنسانية لفائدة هذه الفئة الهشة. وشكل هذا الاجتماع الذي ترأسه الوكيل العام لمحكمة الاستئناف، محمد أنيس، والمستشار المحفوظ قبلي، ممثلا للرئيس الأول ونائب الوكيل العام النوري زعري ومسؤولو الشرطة القضائية بدائرة محكمة الاستئناف، مناسبة لتقييم ما تحقق من أهداف مسطرة، والوقوف عند مستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين، من قضاة ونيابة عامة وضابطة قضائية ومصالح اجتماعية وصحية وجمعيات المجتمع المدني، إلى جانب استحضار الإكراهات العملية التي تعترض التكفل الأمثل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، سواء على مستوى الاستقبال أو المواكبة أو الحماية اللاحقة للمساطر القضائية. كما أتاح اللقاء فرصة لاستشراف آفاق العمل المشترك خلال المرحلة المقبلة، في انسجام تام مع التوجيهات الوطنية والإستراتيجيات العمومية الرامية إلى مناهضة العنف المبني على النوع، وتعزيز الولوج العادل والمنصف إلى العدالة، وتكريس الالتزامات الدستورية والدولية للمملكة في مجال حماية حقوق النساء والأطفال. وتخللت أشغال هذا الاجتماع ورشة تكوينية نوعية لفائدة عناصر الضابطة القضائية، تمحورت حول موضوع "وسائل الإثبات في قضايا العنف الجنسي ضد النساء"، باعتبارها من أعقد القضايا وأكثرها حساسية، نظرا لما تتطلبه من دقة قانونية، وحس إنساني عال ، واستحضار لخصوصية الضحايا وظروفهن النفسية والاجتماعية. وقد أطر هذه الورشة الأستاذ النوري زعري، نائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالجديدة ومنسق اللجنة الجهوية، حيث ركز في عرضه على الإطار القانوني المؤطر لهذه الجرائم، والإشكالات العملية المرتبطة بإثباتها، وأهمية توحيد الممارسات المهنية، بما يضمن نجاعة البحث القضائي وحماية الضحايا وصون كرامتهن. وفي ختام الاجتماع، خلصت اللجنة إلى جملة من التوصيات العملية، في مقدمتها ضرورة الترافع الجاد والمسؤول من أجل إحداث مركز لإيواء النساء والأطفال ضحايا العنف على صعيد نفوذ محكمة الاستئناف بالجديدة، باعتباره حلقة أساسية في منظومة التكفل الشامل، ورافعة حقيقية لضمان الحماية الفورية للضحايا، وتوفير فضاء أمن يمكنهن من الاستقرار المؤقت، والاستفادة من الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني، بعيدا عن محيط التهديد والخطر. وأكد المتدخلون أن غياب مثل هذه المراكز يحد من فعالية التدخل القضائي، ويجعل بعض الضحايا في وضعية هشاشة مضاعفة، ما يستدعي تعبئة جماعية لمختلف الفاعلين والمؤسسات، من أجل إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود، في إطار مقاربة تشاركية ومستدامة. ويعكس هذا الاجتماع، بما أثاره من نقاشات عميقة وتوصيات عملية، إرادة جماعية متجددة لجعل محكمة الاستئناف بالجديدة فضاء للإنصاف والحماية، وترسيخ مقاربة إنسانية تجعل كرامة النساء والأطفال في صلب الاهتمام، وتحول النصوص القانونية من مجرد مقتضيات تشريعية إلى ممارسات واقعية تلامس معاناة الضحايا، وتفتح أمامهن أفق الأمل والإنصاف. أحمد سكاب (الجديدة)