fbpx
ملف الصباح

رياح التغيير تهب على الوطن العربي

انتفاضة تونس التي عصفت بنظام بن علي الذي حكم البلاد بقبضة من حديد طيلة 23 سنة مثلت مفاجأة للشعوب العربية

ظل الشباب العربي خلال الأربعين سنة الماضية أكبر الغائبين عن الساحة السياسية، وانزوى ينتظر ما تجود به عليه السلطة التي لم تهتم طيلة هذا الوقت إلا بالدفاع عن نفسها وتقوية نفوذها داخل المجتمع.

إن انهيار النظامين التونسي والمصري بتلك الطريقة المهينة التي سقطا بها كذب كثيرا من الدراسات العربية والغربية التي تنبأت بموت الفرد في العالم العربي وتحوله إلى كائن مُدَجن لا يقوى على تغيير أي شيء. ولم تعد الشعارات الفارغة من قبيل سيطرة الإسلاميين على الحكم التي هدد بها كل من بن علي ومبارك لإخافة الشعب ومن خلفه الدول الغربية من خطر تلك الأنظمة الجديدة التي سيسيطر عليها الإسلاميون ذات معنى بعد أن أظهرت التجرية أن هذه التهديدات مجرد ادعاءات استعملت للمحافظة على الكرسي من طرف أنظمة الحكم بالعالم العربي.
ومثلت الانتفاضة التي عرفتها تونس وعصفت بنظام بن علي الذي حكم البلاد بقبضة من حديد طيلة 23 سنة مفاجأة للشعوب العربية التي لم تتوقع أن يحدث التغيير الذي طالما طالب به الشباب، بل شكل هذا الوضع والنتائج التي أفرزها مفاجأة كبيرة بالنسبة إلى القوى الدولية الكبرى التي وجدت نفسها مضطرة أمام إصرار الشعب التونسي على دعوة حليفها بن علي إلى مغادرة السلطة.  
رياح التغيير التي هبت على تونس سرعان ما انتقلت شرقا إلى مصر لتعصف بنظام مبارك الذي بدأت أولى الشعارات ترفع ضد سنة 2005 مع بروز حركة كفاية التي رفعت شعار كفاية أمام حكم مبارك، رفضت بشدة مخططه لتوريث السلطة في البلاد إلى ابنه علاء قبل أن يتم قمع رموز الحركة من طرف أمن الدولة.
رياح التغيير التي هبت على العالم العربي وصلت أخيرا نظام العقيد معمر القذافي، الذي وبعد أن فقد أكثر من نصف تراب ليبيا بعد أن سيطر عليه الثوار لا يزال غير مصدق أن الليبيين الذين حكمهم أكثر من 42 سنة منذ انقلابه على نظام الملك السنوسي أصبحوا يتوقون إلى الحرية والعيش الكريم.
وبخلاف أنظمة بن علي ومبارك والقذافي التي أبانت عن غباء سياسي في التعامل مع مطالب الجماهير التي قادها شباب «الفايسبوك» و»تويتر»، أظهر النظام البحريني ذكاء في التعامل مع مطالب المحتجين بعد أن فشلت القبضة الأمنية في إفشال حركتهم وأججت الوضع ليتم تدارك الوضع داخل الإمارة الخليجية الصغيرة الواقعة على مياه الخليج العربي التي لم يسبق أن سمع العالم عن مشاكلها وفتح حوار جدي مع المعارضة الشيعية وتلبية الكثير من المطالب الاجتماعية لسكانها.  
حالة الحراك السياسي غير المسبوق الحاصلة في العالم العربي اليوم تؤكد أن الشعوب لم تعد تثق بأسطورة الإصلاح التدريجي التي رفعتها الأنظمة في وجه دعوات الإصلاح السياسي التي كانت تطالب بها المعارضة، وجمعيات المجتمع المدني التي ملأت الفراغ الذي تركته الأحزاب السياسية التي صارت مترهلة وعاجزة عن مسايرة طموح الشعوب. هذا الأمر يؤكده مروان المعشر وزير الخارجية الأردني السابق والباحث في مركز كارنيغي للسلام، إذ اعتبر خلال ندوة نظمها المركز حول الاحتجاجات القائمة في العالم العربي أن مقاربة الإصلاح التدريجي من فوق إلى تحت في فشلت العالم العربي، وأن الأنظمة العربية لم تعد تتمتع برفاهية تأجيل الإصلاح إلى ما لانهاية. وأضاف أنه لطالما نُظِر إلى الشعوب العربية على أنها سهلة الانقياد، إلى أن أظهرت الأحداث الأخيرة أنها لن تنتظر الإصلاح بصبر بعد الآن.  
وشدد على أن الأحداث التي عرفتها تونس ومصر ساعدت على تخطي الخوف من الإسلاميين بعد أن تمسّكت الحكومات العربية طويلا بالحجة القائلة بأنّ التحرر السياسي من شأنه أن يتيح للإسلاميين السيطرة، لكن من قاد الاحتجاجات في تونس ومصر كانوا مواطنين عاديين، خصوصا من الطبقة الوسطى.
وأوضح المعشر أن انعدام المساحة السياسية هو تحديدا ما حال دون قيام الحركات المعارِضة الليبرالية التي يمكن أن تتنافس مع الإسلاميين. وأضاف أن الإسلاميين يشكّلون قوة سياسية كبرى، والأحزاب الإسلامية المسالِمة يجب أن تُضَمّ إلى أي حكومة وحدة وطنية تُشَكَّل، كي تكون حكومةً تتمتّع بالمصداقية.
وشدد على أن الأحداث في تونس ومصر أضحت تهدّد السياسة الأمريكية القديمة القائمة على دعم القادة الاستبداديين العرب باسم الاستقرار، ولذلك سيكون على الولايات المتحدة أن تعيد تقييم مقاربتها للمنطقة.
واعتبر أن الولايات المتحدة حافظت طيلة أيام الازمة في مصر على موقف وسطي تجاه مصر، معبّرةً عن دعمها للمتظاهرين والنظام على حد السواء، لكن هذه المقاربة ما عاد بالإمكان المحافظة عليها. وهو ما جعل المصريين محبطين إزاء الاستجابة الأميركية البطيئة، رغم أن التصريحات الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمركية هيلاري كلينتون عن دعم انتقال للسلطة كانت إيجابيةً جداً.
ونبه المعشر إلى أن الولايات المتحدة أضاعت كثيرا من الفرص خلال أحداث مصر الأخيرة كان يمكنها أن تلعب دورا مؤثرا، وأن دورها تراجع الآن إلى دور المتفرّج فقط. ومع ذلك، اعتبر المعشّر أنها قادرة على الاضطلاع بدور أهمّ في دعم الإصلاح الجدّي والتشجيع عليه في البلدان العربية الأخرى. وختم المعشّر بأن الأحداث في تونس ومصر يمكن أن تساعد الولايات المتحدة على التخلّي عن الفكرة القائلة إن خيارَيها الوحيدَين هما إما دعم القادة الاستبداديين وإما مواجهة الثورات.

إسماعيل روحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى