أزمة بنيوية إن أزمة التعليم في المغرب لا يمكن فصلها عن البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تنتجها الدولة نفسها، وتجلى فشل المنظومة التعليمية لاختيارات سياسية تخدم إعادة إنتاج اللامساواة، بدل تفكيكها. كما أن المدرسة ليست مجرد فضاء للمعرفة، بل مؤسسة تعكس ميزان القوى داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق يصبح غياب الحكامة والمحاسبة، ليس مجرد خلل تقني، بل تعبير عن ارتهان القرار التربوي لمنطق الريع والولاءات، بدل منطق المصلحة العامة. إن التمثلات الشعبية للمدرسة، التي تختزل في وظيفة الشغل والترقي الفردي، ليست سوى نتاج لسياسات تفرغ التعليم من رسالته التحررية، وتحوله إلى قناة لتوزيع الفرص المحدودة داخل سوق هش وغير متكافئ. وهكذا، يعاد إنتاج الطبقات في كل دورة تعليمية، بينما تظل المدرسة العمومية ساحة صامتة للتفاوت الاجتماعي. كما أن السياسات التعليمية والاقتصادية، تشتغل غالبا خارج أي رؤية بنيوية للتحول المجتمعي، إذ تسقط مشاريع إصلاحية دون ربطها بالحاجات الحقيقية للمجتمع، ويؤدي غياب الدراسات الاستشرافية إلى استمرار الاختلالات الطبقية في سوق الشغل. وأقول هنا إن الوضع مرتبط بطبيعة النخب السياسية التي تدير القطاع، وفق منطق تدبيري محافظ، بعيد عن أي تصور تقدمي يعيد للمدرسة دورها في تحرير الإنسان وتوسيع قاعدة العدالة الاجتماعية، وإن إصلاح التعليم لن يتحقق دون تفكيك الأسس البنيوية للامساواة وإعادة بناء المدرسة أداة للتحرر الجماعي. (المشرف العام الوطني لفريق التجديد التربوي) أسباب متشابكة هناك مجموعة من الأسباب المتشابكة، تضعف حظوظ إصلاح التعليم، منها غياب إرادة سياسية حقيقية ورؤية إستراتيجية مستدامة. وتتغير الخطط مع تغير الحكومات دون خطة وطنية ثابتة، كما أن البيروقراطية والفساد الإداري والمالي عوامل وتعيق تنفيذ المشاريع، رغم توفر الميزانيات. إن تفاقم مشكل الموارد البشرية والمالية وأوضاع المدرسين، تظل صعبة مع ضعف التكوين وتدني الأجور ، بينما تعاني المؤسسات اكتظاظا في الأقسام ونقصا حادا في البنية التحتية والتجهيزات، فضلا عن أن المناهج الدراسية لا تواكب متطلبات العصر، لأنها لا تنمي المهارات الحياتية وغير متصلة بسوق الشغل، وهذا ينتج نقصا في جودة التعلمات وارتفاع الهدر المدرسي. إن أي إصلاح لا يشرك الأطر التربوية والمجتمع في صنع القرار مآله الفشل، الذي يضعف التعليم العمومي، ويستمر في إنتاج التخلف واللامساواة. (الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية للتعليم بالجديدة) استقاهما: عبد الله غيتومي (الجديدة) مبدأ الاستمرارية من أسباب أزمة المنظومة التعليمية عدم تحديد الغايات المنشودة من كل إصلاح بما يلائم الهوية المغربية، فضلا عن عدم تفعيل مبدأ الاستمرارية في تنفيذ مقررات الإصلاحات. وبعد حصول المغرب على الاستقلال، تم إحداث اللجنة العليا لإصلاح التعليم التي أقرت المبادئ الأربعة: التعريب التوحيد، المغربة والتعميم، لكن تم التراجع والإصلاحات، واعتمدت اللغة الفرنسية في المواد العلمية، وبدا أن كل إصلاح يليه آخر، وقرارات وزير سابق يلغيها وزير لاحق دون تقييم ومحاسبة. لقد عقدت مناظرات وطنية (المعمورة، إفران 1 وإفران 2) كلها تروم إصلاح التعليم لكن الفشل كان هو مصيرها. واعتمد الميثاق الوطني للتربية والتكوين، لكن لم يفعل بالشكل المطلوب، فاستبدل بالبرنامج الاستعجالي في 2009 الذي صرف عليه ما يفوق 4000 مليار سنتيم دون جني الثمار المرجوة. تلتها عناوين جديدة للإصلاح (الرؤية الإستراتيجية 2015 وخارطة الطريق 2022). وهكذا نرى أن محطات إصلاح التعليم لم تعرف تشخيصا لأسباب فشلها ولا تقييما لمراحل تنفيذها ولا تتبعا لمحاسبة المشرفين عليها. أرى أن الإصلاح الذي لا يساهم فيه الأستاذ، فاعلا ميدانيا، وتحديد دوره في تنفيذ المنهاج، محكوم عليه بالفشل مسبقا، علما أن الدولة تعتمد في الإصلاحات التعليمية على الأشخاص أنفسهم، رغم فشلهم المتكرر مع استيراد نماذج تعليمية لا تمت بصلة لواقعنا وهويتنا الوطنية، إضافة على عدم توافق النموذج التعليمي مع متطلبات حاجيات سوق الشغل. (حقوقي) وصفة سحرية اعتمد المغرب سلسلة من الإصلاحات بغية تطوير منظومتنا التعليمية التي جربت كل الأدواء، لكنها فشلت في القضاء على الداء ما خلف أجيالا معطوبة. ورغم الفشل الذريع الذي كان عنوانا عريضا على إخفاق كل المخططات والبرامج الإصلاحية السابقة مازلنا نبحث عن وصفة سحرية لإنقاذ ما تبقى لدينا من الأمل لعلنا نجد ما يزيح عنا صخرة سنوات من الفشل التي جنينا منها الخيبة وإضاعة فرص النجاح، في غياب رؤية شاملة تنطلق من الواقع وتبحث عن الحلول للنهوض بواقعنا التعليمي الذي تقاذفته الأمواج من كل حدب وصوب. طبعا، مسؤولية إنجاح المخططات والبرامج التعليمية مسؤولية الجميع، لمنح التلميذ الكفايات اللازمة التي تؤهله للاندماج بسلاسة في المجتمع واكتساب المهارات التي تجعل منه فاعلا حقيقيا في الحياة. وللنهوض بالمدرسة المغربية، ينبغي الاعتناء بالمدرس ماديا ومعنويا وتمتيعه بالقيمة الاعتبارية وتحسين جودة التكوين الميداني ولمدة أطول، وبرمجة التكوين المستمر بشكل دوري للفاعلين التربويين وللإداريين ورصد ميزانية سنوية كافية للقطاع مع اعتماد طرق تدريس حديثة بالانتقال من التعليم التقليدي التلقيني إلى التعلم النشيط والتفاعلي. كما يجب التأكيد على إدماج الذكاء الاصطناعي ومسايرة تقدم العلمي والتكنولوجي والتقني وإعادة هيكلة المناهج لتكون مرتبطة بسوق الشغل (اللغات، الرقميات، المهارات الحياتية) والتركيز على الكفاءات الأساسية وتأهيل البنيات التحتية للمؤسسات التعليمية (مكتبات، ملاعب، مراحيض، مختبرات) وتجهيزها بالوسائل الديداكتيكية ومعدات رقمية دون تمييز، ومحاربة الهدر المدرسي، وذلك بتوفير وسائل النقل والإطعام المدرسيين في العالم القروي. صحافي وفاعل جمعوي استقاهما: سعيد فالق (بني ملال) غياب الحكامة أكد محمد بوحسيني، الخبير التربوي أن إخفاق مسار إصلاح التعليم في المغرب ليس وليد اليوم، بل هو نتيجة تراكمات ممتدة لسنوات، تتداخل فيها عوامل تنظيمية وبنيوية ومؤسساتية، ويرى أن السبب الجوهري يكمن في غياب حكامة رشيدة تؤطر المنظومة، إذ لا تزال مؤسسات التربية والتكوين تعاني ضعفا في تدبير الموارد، وغياب آليات صارمة لربط المسؤولية بالمحاسبة، مما يجعل الكثير من القرارات تتخذ دون تقييم دقيق لنجاعتها أو أثرها الفعلي على جودة التعلمات. ويضيف أن غياب الرؤية الاستشرافية والتخطيط بعيد المدى، يعد أحد أهم العوامل التي أضعفت السيرورة الإصلاحية، إذ غالباما تأتي الإصلاحات متسرعة، منقطعة عن سياقها، وغير مبنية على قراءة دقيقة للتحولات الاجتماعية والمجالية التي يعرفها المغرب. كما يشير إلى المركزية المفرطة في اتخاذ القرار التربوي، والتي تجعل السياسات التعليمية تصاغ من أعلى دون مراعاة خصوصيات الواقع المحلي، واختلاف ديناميات الأقاليم والجهات، ما يؤدي إلى فوارق كبيرة في جودة التعليم بين المناطق. ومن بين الإشكالات التي يبرزها بوحسيني، غياب تحفيز حقيقي للموارد البشرية، سواء تعلق الأمر بالأساتذة أو الأطر الإدارية، إذ لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح في ظل غياب بيئة مهنية تراعي الكفاءة وتدعم التطوير المستمر، ويؤكد أن توالي البرامج والمخططات الإصلاحية دون توفر شروط الاستمرارية والتراكم، ساهم في إرباك المنظومة بدل تصحيح مسارها، لتظل المدرسة المغربية في حاجة إلى إصلاح جذري قائم على الشفافية، والالتقائية، وربط الأهداف بالنتائج. (خبير تربوي) تراكمات عميقة كشف ميمون بوجنان، الأستاذ والعضو المؤسس للجمعية الوطنية لأساتذة التعليم، أن الإخفاقات المتكررة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة تراكمات عميقة يتحمل مسؤوليتها غياب الإشراف الحقيقي وغياب الإنصاف في التعامل مع الفاعلين داخل المدرسة، ويؤكد أن هذين العاملين يختزلان جوهر المشكلة، إذ من دون قيادة تربوية واضحة ومنصفة، ومن دون الاعتراف بدور الأستاذ، سيظل الإصلاح رهين الشعارات والوثائق الرسمية دون أثر ملموس داخل الأقسام. وأوضح بوجنان أن الجمعية طالبت لسنوات بضرورة إنصاف الأساتذة قبل المطالبة بمحاسبتهم، لأن المحاسبة، في رأيه، لا يمكن أن تكون فعالة إلا حين يشعر المدرس بأن حقوقه مضمونة، وأن مكانته محفوظة، فالأستاذ، كما يؤكد، ليس موظفا عاديا، بل هو حجر الزاوية في العملية التعليمية، ومصدر الخبرة الميدانية التي لا يمكن لأي مخطط مركزي أن يعوضها. ويضيف بوجنان أن غياب إشراك فعلي للأساتذة في التخطيط والتنفيذ يعد من أكبر الأسباب التي تجعل الإصلاحات تفشل بمجرد وصولها إلى الفصل الدراسي، فالقرارات تتخذ في مكاتب مغلقة، بينما الممارسة اليومية تجري في فضاءات مكتظة، وبإمكانات محدودة، حيث يواجه الأستاذ تحديات لا تدركها التقارير التقنية. وأشار إلى أن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى مقاربة تشاركية تجعل المدرس جزءا من صياغة الحلول، لا مجرد منفذ للتعليمات، فمن دون الإصغاء لصوت الميدان، سيظل أي إصلاح ناقصاوعاجزا عن تحقيق التحول المنتظر. (أستاذ) استقاهما عبد الجليل شاهي (أكادير)