المعروفي يرصد في "عبير الزهور" ميلاد وتطور أشهر حي شعبي بالبيضاء صدرت الطبعة الأولى لكتاب "عبير الزهور .. في تاريخ الدار البيضاء وما أضيف إليها من أخبار أنفا والشاوية عبر العصور" لمؤلفه هاشم المعروفي في 1987، وهي السنة التي توفي فيها المؤلف، ويعد مرجعا أساسيا لدراسة تاريخ المدينة، إذ يقدم قراءة شاملة ومتعمقة لتطور المدينة عبر العصور، وقد استند الكاتب هاشم المعروفي في كتابه إلى مجموعة واسعة من المصادر التاريخية والوثائق، لكن إلى حدود 2013 لم يكن متداولا سوى الطبعة الأولى والجزء الأول من الكتاب، قبل أن تظهر طبعة ثانية ومعها الجزء الثاني عن منشورات المجلس العلمي المحلي لعمالة مقاطعة عين الشق بالبيضاء. في هذا الخاص تتتبع "الصباح" ميلاد حي درب السلطان من خلال هذا الكتاب المرجعي في تاريخ العاصمة الاقتصادية ومن جزئه الثاني تحديدا والذي رصد فيه تحولات العاصمة الاقتصادية خلال الفترة الحديثة والمعاصرة. نقل هاشم المعروفي عن كتاب "البيان المطرب لنظام حكومة المغرب" لمؤلفه عبد الحميد بنشهنو، والذي يلقي نظرة على التدابير الأساسية التي اتخذتها الحكومة التي كانت على عهد السلطان مولاي يوسف، لتحسين مستوى عيش الأهالي، وفي هذا السياق جاء ميلاد حي الأحباس ودرب السلطان، ما يلي: "... ولهذه الغاية أنشئت بالدار البيضاء قرية كاملة يعني بها حي الحبس الذي يشتمل على 320 دارا للسكنى بثمن مناسب، وما يزيد على ثلاثمائة حانوت. وقد بلغت قيمة الجميع نحو تسعة ملايين فرنك، وتم بناء الجامع اليوسفي بمنارته سنة 1924. وبعد إتمام بناء أنشأ الشاعر إبراهيم بن العربي السلاوي الذي كان عدلا بالإدارة الحبسية بالدار البيضاء قصيدة طويلة يقول في مطلعها: نهنيك بالإيواء متعبد/ فلقد دنا المجنى وراق المعبد/ أو ما ترى ما قد جرى بمدينة الأحباس/ صين منارها والمسجد". ويتابع المعروفي أنه في التاريخ الذي تم فيه بناء حي الأحباس (1924) بني حي مجاور أطلق عليه "درب الحاجب"، وفي التاريخ نفسه تم بناء درب كارلوطي. المدينة الجديدة نقل المؤلف نصا آخر، في هذا السياق، عن اللغة الفرنسية بعنوان "المدينة الجديدة ـ حي كارلوطي" جاء فيه "... ولكي تمنع الإدارة المغربية تكدس الناس في مدن القصدير، وانتشار المغاربة في المدينة الأوربية، ساهمت هذه الأخيرة في إحداث هذه المدينة الجديدة، وذلك بمساعدة الأحباس، وقد توسعت المدينة المذكورة بشكل بطيء، واستقبلت من 1923 إلى 1936، أربعين ألف ساكن تقريبا، ثم ما لبثت أن تضخمت وأصبح عدد سكانها في فاتح يوليوز 1947، يبلغ 255 ألف نسمة". وتقع هذه المدينة، يقول المعروفي، على مرتفعات مرس السلطان، وتهبط على منحدر جنوبي هذه المرتفعات، لتمس شيئا الأراضي الفلاحية، وتقترب قليلا من هضبة عين الشق، ووجود الأحياء الضخمة التي كان يسكنها أوربيون حد المدينة الجديدة، وفي الشرق وجود الأحياء الصناعية والعسكرية، وتبدو المنطقة بمساجدها وأسواقها وتنظيمها الإداري مدينة جديدة، بكل ما في الكلمة من معنى، والأحياء القديمة تقع في الشمال الغربي للمنطقة. و"درب كارلوطي" هو أول الأحياء التي بنيت هناك وهذا يسمح بفهم المنطقة، وكيفية تطورها في البداية لتصبح مدينة، ويقدم لنا نوعا من الاستقرار والثبات لكي تتوصل إلى نتيجة معينة لا تزيد ولا تنقص، كما يقع في باقي الأحياء، يريد بهذا أن دراسة درب كارلوطي هي في الحقيقة دراسة لجميع الأحياء، ولأن نتائج الدراسات كانت تختلف بعد فترة قليلة، وذلك لأن عدد السكان يزيد بشكل سريع، وكذلك يسمح درب كارلوطي لبعده عن المدينة الأوربية بدراسة مقارنة بين المنطقتين، والعلاقات بين الأوربيين والمغاربة. ويحد درب الكبير من الغرب السكة الحديدية، ومن الشمال طريق مديونة، وهو المعبر الذي يربط الدار البيضاء بمراكش، ومن الجنوب الشرقي كان درب كارلوطي يصل إلى شارع "أبيسيني" (الحبشة)، وهو شارع مهم في المدينة الجديدة، وكان هذا الشارع يفصل المنطقة عن كاريان كارلوطي. وترجع تسمية الحي إلى شخص يدعى "كارلوطي" كان يؤجر الأراضي لأوائل الوافدين على الدار البيضاء، بقيمة 60 سنتيما للمتر في السنة، وهؤلاء السكان المستأجرون عند "كارلوطي" كانوا يبنون دورهم في هذه الأراضي المستأجرة، والتي لم تكن ملكا لهم. وفي المدينة الجديدة كانت الأراضي والدور تخص ملاكين مختلفين، وقد بنيت الدور الأولى في 1924 من قبل فئات مختلفة فإما بناها سكان المدينة القديمة الذين رغبوا في التوسع، أو بناها المزارعون الأغنياء الذين رغبوا أن تكون لهم دور في المدينة، وأغلب هذه الدور بناها تجار من أهل فاس، كانوا من أهم المالكين لهذه المنطقة، وكان لهم تأثير ملحوظ على الحياة الاقتصادية في الدار البيضاء يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، وقد ازداد هذا التأثير ما بين الحربين الأولى والثانية. وتغلب على درب "كارلوطي" مجموعة من المظاهر التقليدية والحديثة وتجعله يختلف كثيرا عن المدينة القديمة، وعن المدينة الأوربية، إذ كان له تنظيم المدن الجديدة التي أنشئت حديثا، فهو درب بني نصفه بشكل عشوائي دون سابق تخطيط، ونصفه الآخر بني بعد تخطيط مسبق، والعمارات بنيت بشكل عصري، ولكن البناء تم داخل إطار محدد من قبل إدارة التخطيط، فالشوارع المستقيمة تتقاطع بزوايا قائمة، كما توجد الطرق اللولبية والثنيات والأزقة المسدودة المعتاد عليها في المدن القديمة. كما يستعرض المؤلف عناصر سكان الحي وقسمهم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول يضم البورجوازية الغنية، وهي قليلة وحصرها في اثنتي عشرة عائلة، والقسم الثاني: يضم الصناع، وأغلبهم من صناع الخشب التقليديين الذين يعملون في منازلهم، ويبيعون ما صنعوه، ومن جهة أخرى عمال المصانع، وأغلب هؤلاء الصناع جاؤوا من المدينة القديمة ليكونوا بالقرب من مكان عملهم بالأحباس وسوق الحبوب. ويضيف أن سمعة هذه المنطقة "كانت طيبة، إذ أن المخزن كان عازما على أن تبنى هناك أكبر الحمامات، وأجمل القيساريات وأحدث المعاهد، وكان للعامل النفسي تأثير على السكان الذين كانوا في الوقت نفسه متشبثين بتقاليدهم القديمة، ومحبذين لكل تطور حديث". أما القسم الثالث فيضم أهالي البوادي والقرى، إذ من بين 304 حالات خضعت للبحث والدراسة، كانت منها فقط 70 حالة أقر أصحابها أن أصلهم من المدينة القديمة، وهذا العدد كبير إذا ما قورن ببقية أحياء الدار البيضاء. درب "مارتيني" وبعد درب كارلوطي شرع في بناء درب "مارتيني" نسبة إلى شخص يحمل هذا الاسم، كان أحد النواب الذين كلفتهم فرنسا بالجلوس مع الأمناء في المرسى لحيازة ما يجب لفرنسا من القرض الذي كان لها عند المخزن لأجل الإصلاحات، وكانت له ملكية الأرض التي بني عليها الدرب، وبعد وفاته قام ولداه "هويل" ومارك" مارتيني اللذان ولدا بالبيضاء وأحدثا الدرب المذكور ببيعه على شكل بقع أرضية لمن يريد السكن به. وكان هذا الدرب يسمى "مارتيني" أو درب اليهودي، والسبب في ذلك أن هويل ولد بالدار البيضاء وتربى مع أبنائها، وكان يتكلم الدارجة المغربية كأنه بيضاوي، فظنه الناس يهوديا فصار اسم الحي بدرب اليهودي، وهو الآن يحمل اسم حي الداخلة. ثم أنشئ درب الكبير، وهو ينسب إلى الكبير الحريزي الذي كان من أكبر أغنياء الدار البيضاء وأعيانها، ثم درب بلعالية وهو ينسب إلى رجل كان يتجر في البهائم من خيل وبغال. المسجد المحمدي... معلمة دينية وضع السلطان محمد الخامس الحجر الأساس للمسجد المحمدي الذي يحمل اسمه، في يونيو 1934، وعين موقع محرابه العلامة الحيسوبي الموقت محمد بن محمد العلمي/ شيخ الجماعة في علوم التنجيم والتعديل والهيأة بجامع القرويين، أما الافتتاح فقد كان يوم 12 ماي 1936، وأدى فيه السلطان صلاة الجمعة بحضور الوزراء والكتاب والأعيان، وأمهم في الصلاة القاضي الفقيه محمد الهاشمي ابن خضراء السلاوي، الذي ألقى أيضا خطبة الجمعة. وفي الليل أنيرت المئذنة، والأماكن المحيطة بالمسجد بالأضواء الكهربائية، وحضر السلطان ومن معه صلاة المغرب، وبعد إتمام الصلاة شرع المادحون في إنشاد قصائد "البردة" و"الهمزية" للإمام البوصيري، إلى حين صلاة العشاء.