fbpx
حوادث

المرأة وخـطة العـدالــة

البعض يرى أن حقوقا لا يشهد فيها إلا الرجال ولا تقبل فيها شهادة النساء             (بقلم: رشيدة أحفوض *2/1)

سأحاول من خلال هذه المقالة إبداء الرأي في موضوع له أهميته وقيمته العلمية والقانونية، ألا وهو موضوع «المرأة وخطة العدالة»، لقد بدأ العمل بالوثيقة العدلية بالمغرب منذ دخول الإسلام،  ووثق المغاربة جل معاملاتهم المالية والأسرية بها وذلك لما لها من قيمة علمية وثقتها واستمدتها من القرآن الكريم ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن لهذه الوثيقة العدلية قيمة اجتماعية،  إذ تواكب الإنسان  في مختلف مراحل حياته إلى وفاته وما بعدها، إذ تعقد للإنسان زواجه، وطلاقه، وحقوقه الاجتماعية من تنزيل، صدقات، وصايا، بيوعاته وأشريته، وإحصاء متروكه، الودائع.  كما أن لهذه الوثيقة العدلية قيمة قانونية، إذ تعتبر وثيقة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور .

بدأ العمل بالوثيقة العدلية بالمغرب منذ دخول الإسلام، ودخل مرحلة التقنين والتنظيم، حيث صدرت عدة مناشير وظهائر، من ذلك الظهير 1938، والظهير الخاص بتنظيم المحاكم الشرعية والذي أحدث بموجبه «كناش الجيب»، والمنشور عدد 6410 بتاريخ 1947 الذي يهدف إلى مراقبة كنانيش الجيب من طرف القضاة قبل الخطاب على الرسوم العدلية، والمناشير التي تنظم العلاقة بين العدول ومصلحة التسجيل، منشور 4232 سنة 1942، المغير بالمنشور الصادر بتاريخ 29 مارس 1950، كما صدرت مناشير تنظم أتعاب العدول، منها الظهير الشريف 1951، وصدر الظهير الشريف 6 ماي 1982، القاضي بتنظيم خطة العدالة وتلقي الشهادة وتحريرها، والذي جاء بعدة مستجدات، وإذا كان الأصل في مزاولة التوثيق الشرعي أن يتولاه الكاتب بالعدل في مجلس تحضره الأطراف المتعاقدة والشهود لقوله تعالى: «وَلْيَكْتُب بيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ …. وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء ….» كل هذا يدفعنا للتساؤل هل يمكن للمرأة أن تتولى مهنة التوثيق العدلي في التشريع المغربي كمبحثا أولا وهل خطة العدالة أقصت النساء من مزاولة مهنة العدول مبحثا ثانيا.
 المبحث الأول:
المرأة ومهنة التوثيق العدلي

عرف ابن خلدون مهنة العدالة بأنها وظيفة دينية تابعة للقضاء ومن مواد تصريفه وحقيقة هذه الوظيفة القيام بعد إذن القاضي بالشهادة بين الناس في ما لهم وعليهم تحملا عند الإشهاد وأداء عند التنازع وكتبا في السجلات تحفظ بها حقوق الناس وأملاكهم وديونهم وسائر معاملاتهم ، من هذا التقريب يتبين أن خطة العدالة هي شهادة وإشهاد وكتابة وتوثيق بين الناس، فالعدل هو كاتب وشاهد.
– قال تعالى: «وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ».
– قال تعالى: «فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً» .
– قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ …. وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ …. وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ» .
– قال تعالى: «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ».
الأصل في مزاولة التوثيق الشرعي أن يتولاه الكاتب بالعدل في مجلس تحضره الأطراف المتعاقدة والشهود لقوله تعالى: «وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ …. وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء».
كل هذا يدفعنا للحديث عن شهادة المرأة وما ثار حولها من اختلاف بين الفقهاء، البعض  يرى أنه يجب أن ينظر إلى ولوج المرأة لمهنة العدالة هي على أساس شرعي قوامه شهادة المرأة في ميزان الشريعة، إذ اتفق الفقهاء على جواز شهادة المرأتين والرجل في المال وما يؤول إليه كالبيع، الرهن، الإجارة…، وأنه ينبغي التسوية بين شهادة الرجلين وشهادة الرجل والمرأتين ، في حين يرى البعض أن شهادة الرجلين هي الأصل ولا يلجأ إلى شهادة الرجل والمرأتان إلا عند عدم القدرة على إشهاد الرجلين .
هذا في ما يخص الحقوق المالية وماعدا ذلك كالزواج، الطلاق والقتل، فاختلف الفقهاء بذهب البعض  إلى قبولها في الطلاق والنكاح، وعدم قبولها في الحدود والقصاص، وذهب البعض أن شهادة النساء لا تجوز مع الرجال في غير الأموال  ليرى البعض الآخر، أن شهادة امرأتين ويمين المدعي تثبت بهما الحقوق .
من كل هذا يتبين أن البعض يرى أن حقوقا لا يشهد فيها إلا الرجال وحدهم ولا تقبل فيها شهادة النساء، وهناك حقوق تقبل فيها شهادة النساء أسوة بشهادة الرجال، كل هذا يدفعنا للتساؤل هل يمكن للمرأة أن تتولى مهنة التوثيق العدلي؟
إن نظام التوثيق العدلي بالمغرب تم تنظيمه قانونا بمقتضى عدة ظهائر ، وبالرجوع إلى شروط الانخراط الواجب توفرها في المرشح لمزاولة خطة العدالة، هي:  
1- أن يكون مسلما مغربيا،
2- أن يكون متمتعا بحقوقه الوطنية وذا سلوك حسن،
3- أن يكون متوفرا على القدرة البدنية المطلوبة لممارسة المهنة،
4- أن يكون في وضعية صحيحة تجاه القوانين المتعلقة بالتجنيد العسكري،
5-  ألا يكون قد حكم عليه من أجل جناية مطلقا أو حبس موقوف التنفيذ من أجل تهمة،
6- ألا يكون مشطبا عليه بقرار تأديبي يمس شرف المهنة،
7- ألا يكون قد حكم عليه بإحدى العقوبات المالية المنصوص عليها في قانون التجارة،
8- أن ينجح في مباراة تنظيم لولوج الخطة ما لم يعفه القانون .
من كل هذه الشروط يتضح أن قانون 16-03 ولا حتى الظهير الشريف 6 ماي 1982 لم ينص على شرط الذكورة، مما يفيد أنه من حق المرأة المغربية تولي مهام تلقي الشهادات وتحريرها في المجالات التي يجوز الشهادة فيها، إذا توفرت فيها باقي الشروط المطلوبة في انتصابها عدلة شاهدة موثقة، وإن عدم تولي المرأة المغربية لمنصب عدل راجع للمحيط الاجتماعي وإلى نصوص الشريعة وأحكامها .
وقد انتقد بعض الفقهاء عدم اشتراط الذكورة في من يتولى خطة العدالة، وهذا يعني أنه يمكن تعيين النساء في تولي هذه الخطة، مؤكدين أن قبول شهادة النساء شيء وتعيينهن لممارسة مهنة العدالة شيء آخر، ذلك أن ممارسة هذه الخطة تقتضي التفرغ لها وتكريس كل الجهود لها والقيام بما تتطلبه من اتصالات وتوجهات وتلقي الشهادات وأدائها في مختلف الميادين من أموال وحقوق شخصية وغير ذلك.
بقلم: رشيدة أحفوض  *

* رئيسة الغرفة الاجتماعية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء
أستاذة بالمعهد العالي للقضاء
أستاذة زائرة بكلية الحقوق
رئيسة الجمعية المغربية للقضاة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى