نقابات تنتقد الوزارة وتتهمها بمحاباة المستثمرين وسحب البساط من "تعليم الفقراء" يعيش قطاع التعليم بالمغرب تجاذبات وصراعات بين قطبين متناقضين، يسير كل واحد طبقا لمفهومين مختلفين، مفهوم الربح والخسارة، فالتعليم العمومي ظل منذ سنوات الوجهة الرئيسية لأبناء الشعب المغلوبين على أمرهم، فيما برز التعليم الخصوصي وجهة لفئة معينة من الشعب، فئة الميسورين، وهو ما يجعل الهوة تتسع وتتفاقم سنة بعد أخرى. ويتجدد هذا التناقض والتنافس في بداية كل موسم دراسي، ويحتد النقاش حول مدى أهمية التعليم في المغرب، ويتشعب بين من يدافع عن المدرسة العمومية، لأنها ملاذ لأكبر عدد من التلاميذ تضمن لهم المجانية والعدالة التربوية، وبين من يدافع عن التعليم الخصوصي، باعتباره البديل المنتظر، والضامن لتعليم عصري وحديث منفتح على سوق الشغل. لكن حقيقة الأمر تفرض على المتتبع والمهتم رؤية ومناقشة الموضوع من عدة زوايا، تطبعها الموضوعية وتحكمها المصلحة العامة للتلميذ وولي أمره. ويرى هؤلاء أن الأمر تحول إلى صراع مكشوف، بعدما كان خفيا، بين القطبين، إذ يتهم كل طرف الآخر بأوصاف ونعوت تختلف حسب رؤية ووجهة نظرهما. فمؤيدو التعليم العمومي يرون أن التعليم الخصوصي ما هو إلا واجهة لاستنزاف واستهداف جيوب أولياء التلاميذ، فيما يرى مناصرو التعليم الخصوصي أنه بديل منتظر يضمن الجودة والشغل، خلاف التعليم العمومي الذي تراجع أداؤه كثيرا لعدة أسباب. وترى مختلف الأجهزة النقابية، أن هناك تحاملا على التعليم العمومي الذي يمثل الأغلبية العظمى للتلاميذ، من أجل إفراغه من حمولته الاجتماعية الضامنة للمجانية والعدالة الاجتماعية التي تظل مفتوحة أمام أبناء الشعب، وتسير في اتجاه سحب البساط من تحته خدمة للتعليم الخصوصي الذي يركز على الاستثمار في جهود الآباء وأولياء التلاميذ دون أن تأخذه رحمة أو رأفة بهم. وأكد خليل البورقادي، عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية المنضوية تحت لواء الفدرالية الديموقراطية للشغل، "أن العلاقة بين التعليم العمومي والخصوصي، لم تعد علاقة تكامل أو منافسة شريفة، بل تحولت إلى ساحة لصراع وجودي يحكمه قانون "البقاء للأقوى"، والقوة هنا ليست قوة الجودة التربوية الحقيقية، بل قوة رأس المال والسلطة". وأضاف البورقادي، أن التعليم العمومي تراجع تحت وطأة التهميش الممنهج وضعف التمويل وهشاشة التوظيف، يقابله ازدهار التعليم الخصوصي مدعوما بآلة تسويقية شرسة وارتباطات مصلحية مع مراكز النفوذ والمال، مشيرا إلى أنه تم إفراغ المدرسة العمومية من مضمونها لتصبح "مستودعا" للفئات المهمشة والفقيرة، بينما يحتكر أرباب التعليم الخصوصي موارد البلاد التربوية والبشرية، مكرسا انقساما طبقيا صارخا. وأوضح البورقادي أن التعليم العمومي يعاني إهمالا متعمدا من خلال تقليص الميزانيات المخصصة للبنيات التحتية والصيانة والتجهيزات، وضرب المكانة الاعتبارية لكل مكونات المدرسة العمومية، إضافة إلى الهجوم الخطير لبعض منابر الإعلام الموجه والمأجور، الذي يضخم إخفاقات التعليم العمومي ويتغاضى عن اختلالات الخصوصي، مرسخا أن المستقبل الزاهر لا يتحقق إلا خارج المدرسة العمومية. وأمام هذا الجذب والتسابق وجدت وزارة التربية الوطنية نفسها في موقع حرج، فرغم أنها تحاول التوفيق بين القطاعين، وإيجاد موازنة عقلانية بينهما، معتبرة التعليم العمومي ركيزة من ركائز الدولة والتعليم الخصوصي شريكا اجتماعيا، يرمي إلى المساهمة في رفع جزء من التحديات الاجتماعية والاقتصادية، فإن الواقع المعيشي يقول غير ذلك. أحمد ذو الرشاد (الجديدة) رافعة للتأطير تراهن الوزارة على التعليم الخصوصي وجعله رافعة من رافعات التكوين والتأطير والوصول إلى نسبة 20 في المائة، لامتصاص العطالة في صفوف الشباب لاستقطابهم للعمل في هذا القطاع وتوفير الظروف المادية واللوجستيكية لتحقيق ذلك، إلى أنه تبين بعد مرور أكثر من 30 سنة، أن النسبة لا تتجاوز 16 في المائة في التعليم الابتدائي و10 في الإعدادي و9 في التأهيلي. أ.ذ