بريق القطاع يخفي تحديات ندرة المياه وزحف التصحر وتزايد حرائق الواحات أضحت أرفود خلال الفترة ما بين 29 أكتوبر و2 نونبر الجاري عاصمة للتمور، وهي تحتضن فعاليات المعرض الدولي للتمور تحت شعار التدبير المستدام للموارد المائية، في موعد سنوي يجمع الفلاحين والمنتجين والفاعلين من داخل المغرب وخارجه. توقعت الوزارة الوصية إنتاجا قياسيا يتجاوز 160 ألف طن من التمور، بفضل موسم فلاحي تميز بأحوال جوية ملائمة وتوازن مناخي ساعد على جودة المحاصيل، غير أن بريق هذا القطاع يخفي خلفه تحديات ثقيلة، أبرزها ندرة المياه وزحف التصحر وتزايد حرائق الواحات، إلى جانب منافسة خارجية شرسة تهدد موقع التمور المغربية في الأسواق العالمية، ما يجعل من هذا المعرض منصة حقيقية لطرح أسئلة المستقبل واستدامة الواحات ككنز بيئي واقتصادي للمملكة. إنجاز : عبد الجليل شاهي (أكادير) كشف أحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أن إنتاج التمور بالمغرب لموسم 2025-2026 سيبلغ نحو 160 ألف طن، مسجلا قفزة قياسية بنسبة 55 في المائة مقارنة بالموسم الماضي، في إنجاز يعكس دينامية متواصلة يعرفها هذا القطاع الحيوي، مدعوما بظروف مناخية مواتية وإستراتيجيات وطنية محكمة. وأكد الوزير أن هذا الأداء المتميز يندرج في إطار التوجيهات الملكية الرامية إلى النهوض بالواحات وتحسين دخل الفلاحين، مبرزا أن قطاع النخيل استفاد من ثمار مخطط المغرب الأخضر وإستراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030، التي رفعت الإنتاج الوطني بنحو 77 في المائة منذ 2008، إذ لم يكن يتجاوز آنذاك 90 ألف طن. ووفق معطيات وزارة الفلاحة، تظل جهة درعة تافيلالت القلب النابض لإنتاج التمور، إذ تستحوذ على 76 في المائة من الإنتاج الوطني، تليها جهتا سوس ماسة والجهة الشرقية بنسبة 11 في المائة لكل منهما، ولعبت الظروف المناخية الملائمة، خصوصا الاعتدال الحراري والتساقطات التي عرفها شهرا مارس وأبريل خلال فترة الإزهار، دورا محوريا في تحسين جودة الثمار وزيادة حجمها. ويعد قطاع التمور اليوم قاطرة للتنمية المحلية، إذ يدر رقم معاملات سنويا يقارب ملياري درهم، ويوفر أكثر من 3.6 ملايين يوم عمل، فضلاً عن كونه مصدر رزق مباشر أو غير مباشر لما يقارب مليوني مغربي، ولا تقتصر أهمية التمور على بعدها الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى صون التراث الواحاتي ومكافحة التصحر، بما يجعلها رمزا للارتباط بالأرض وذاكرة للإنسان الواحاتي في وجه التحولات المناخية المتسارعة. منصة للتبادل والابتكار شهدت أرفود خلال خمسة أيام شاطا غير مسبوق مع انطلاق المعرض الدولي للتمور، الذي استقطب أكثر من 94 ألف زائر وشارك فيه 230 عارضا من 19 دولة، في تظاهرة عالمية حولت الواحات إلى محور للنقاش حول الاستدامة والابتكار، تميز المعرض ببرنامجه الغني والمتنوع الذي جمع بين منتدى للاستثمار وورش علمية وتطبيقية ولقاءات ثنائية بين المنتجين والمستثمرين، إلى جانب مسابقة وطنية لمنتجات التمور، وفقرات ثقافية وترفيهية للأطفال، الذين أتيح لهم اكتشاف عالم النخيل والواحات بطريقة تفاعلية تربوية ممتعة. ولم يكن الحدث مجرد سوق لعرض أجود أنواع التمور، بل كان منصة حقيقية لتبادل الخبرات وتعزيز الشراكات، وفرصة لإبراز التحول الذي يشهده قطاع نخيل التمر بفضل إستراتيجيتَي مخطط المغرب الأخضر والجيل الأخضر، اللتين جعلتا من الواحات ركيزة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وقد اختار المنظمون شعار التدبير المستدام للموارد المائية، أساس تنمية نخيل التمر والمناطق الواحية، عنوانا لهذه الدورة، في إشارة إلى الوعي الوطني المتنامي بأهمية حماية المياه، باعتبارها شريان الحياة في الواحات، ومصدر استمرار نظم بيئية وثقافية فريدة تواجه اليوم تحديات ندرة المياه والتصحر والتغيرات المناخية. وتكشف الأرقام عن دينامية لافتة يشهدها القطاع، إذ يضم اليوم 62 وحدة تثمين تعالج أكثر من 24 ألف طن من التمور سنويا، إضافة إلى 25 مجموعة مصالح اقتصادية تجمع 433 تعاونية وما يقارب 7600 منتج، من بينهم أكثر من 1400 امرأة، فضلا عن إنشاء 70 تعاونية خدمية تضم نحو ألف عضو، ما يعكس توجها استثماريا جديدا يقوم على إشراك النساء والشباب في قيادة التحول الاقتصادي بالواحات. بهذا الزخم، أكد المعرض الدولي للتمور مكانته حدثا سنويا بارزا يجمع بين نكهة التراث وروح الابتكار، ويراهن على خلق جيل جديد من رواد الأعمال البيئيين الذين يوحدون بين الطموح الاقتصادي والرؤية المستدامة، من أجل واحات أكثر خضرة وأقل عطشا. الاستثمار المسؤول على هامش الدورة الرابعة عشرة للمعرض الدولي للتمور بأرفود 2025، نظمت وكالة التنمية الفلاحية، بشراكة مع مجموعة القرض الفلاحي للمغرب، والوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، وجمعية الملتقى الدولي للتمر، منتدى الاستثمار تحت شعار، الاستثمار المسؤول من أجل تنمية نخيل التمر والواحات. قال المهدي الريفي، المدير العام لوكالة التنمية الفلاحية، إن اختيار موضوع الاستثمار المسؤول لم يكن وليد الصدفة، بل نابع من إيمان راسخ بعمق الرسائل التي يحملها هذا المفهوم، ودوره المحوري في رسم ملامح تنمية حقيقية لمناطق الواحات، وأضاف أن الاستثمار هنا لا يعني فقط ضخ الأموال والمشاريع، بل هو التزام أخلاقي ومسؤولية جماعية تجاه موارد طبيعية نادرة ومجالات بيئية هشة تعاني ندرة المياه وتغير المناخ. وأوضح الريفي أن السنوات الأخيرة شهدت قفزة نوعية في حجم الاستثمارات العمومية الموجهة للواحات، من خلال مشاريع ضخمة لتقوية العرض المائي، ومبادرات بحث علمي رائدة أفرزت حلولًا مبتكرة لترشيد استعمال المياه وتحسين خصوبة الأراضي، لكنه شدد على أن الاستثمار المسؤول يتجاوز البعد البيئي ليشمل صون الموروث التاريخي والحضاري والثقافي للواحات، الذي يشهد على عبقرية الإنسان في التكيف مع بيئته، ويشكل اليوم رافعة قوية للتنمية المحلية المستدامة. ولأن التنمية لا تبنى إلا بالإنسان، أكد الريفي أن الاستثمار في الرأسمال البشري هو قلب الاستثمار المسؤول، من خلال تأهيل الفلاحين، وتمكينهم من أدوات الاستشارة الفلاحية الحديثة، ومواكبتهم في ترشيد استعمال المياه وتحسين الإنتاجية، مع منح الشباب والنساء مكانتهم المستحقة في دينامية التنمية، باعتبارهم قوة التغيير وصناع الغد القادرين على خلق فرص شغل، وإنشاء مقاولات تنبض بروح الواحات وخصوصيتها. وأشار إلى أن الرهان اليوم لم يعد فقط على حجم الاستثمارات، بل على نوعها وذكائها واستدامتها، مما يستوجب توحيد الجهود بين الدولة والقطاع الخاص، وإطلاق جيل جديد من الشراكات يقوم على الثقة والتكامل والمسؤولية المشتركة، بهدف الحفاظ على الموارد الطبيعية وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في هذه المجالات الفريدة. كما أبرز عبد العزيز أيت مبيريك، مدير المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بورزازات، أن مشروع التكثيف المستدام لنظم الإنتاج بحوض المعيضر بإقليم زاكورة يمثل نموذجا ملهما لما يمكن أن تحققه الفلاحة التضامنية في ظل استراتيجية الجيل الأخضر. فقد مكن هذا المشروع من تعبئة الموارد المائية عبر إقامة عتبات مائية أنعشت الفرشة الجوفية، وإنجاز آبار جماعية مجهزة لخدمة السكان، إلى جانب غرس أشجار مثمرة كالنخيل واللوز والخروب والمورينغا، وهي زراعات ذكية متكيفة مع المناخ الجاف وقليلة استهلاك الماء. واستفاد من هذا المشروع نحو 1800 فلاح، تشكل النساء ثلثهم، وأطلقت في إطاره 600 مبادرة مدرّة للدخل في مجالات تربية الماشية والنحل وغيرها من الأنشطة المنتجة، إضافة إلى برامج لتحسين المراعي وتهيئة نقاط الماء والمسالك القروية، ليجسد بذلك جوهر الاستثمار المسؤول، تنمية اقتصادية تراعي البيئة، وتحترم الإنسان، وتثمن التراث، وتبني المستقبل بخطى واثقة. عطش الأرض وقلق الواحات يعد قطاع التمور من أبرز دعائم الفلاحة الوطنية، وواجهة زراعة الواحات التي تميز مناطق الجنوب والجنوب الشرقي للمغرب، فهو مصدر رزق لآلاف الأسر، وركيزة أساسية في الحفاظ على الأمن الغذائي والتوازن البيئي، لكن هذا القطاع الحيوي يعيش اليوم على وقع تحديات كبيرة، أبرزها أزمة الماء التي باتت تهدد استمراريته. في السنوات الأخيرة، تراجعت التساقطات المطرية بشكل حاد، وتناقص منسوب المياه الجوفية في واحات درعة، تافيلالت، زاكورة، وطاطا، هذا الوضع أثر سلبا على إنتاجية النخيل وجودة التمور، وأدى إلى تقلص المساحات المزروعة، في وقت ترتفع فيه كلفة الإنتاج بشكل كبير. أشجار النخيل، رمز الحياة في الصحراء، أصبحت تكافح للبقاء وسط بيئة يزداد جفافها يوما بعد يوم. ويؤكد خبراء الفلاحة أن أنظمة السقي التقليدية لم تعد مناسبة أمام ندرة المياه، مما يستدعي الإسراع في اعتماد تقنيات السقي الموضعي والتدبير الذكي للموارد المائية، إلى جانب تشجيع مشاريع تحلية المياه وإعادة استعمال المياه المعالجة، ورغم المجهودات التي تبذلها الدولة ضمن إستراتيجية الجيل الأخضر وبرامج تنمية الواحات، فإن الجفاف يظل العائق الأكبر أمام تطوير سلسلة التمور، فالفلاحون الصغار يواجهون صعوبات متزايدة، من ارتفاع التكاليف إلى تراجع المردودية، مما يهدد التوازن الاجتماعي والاقتصادي بالمنطقة. يقول أحد فلاحي زاكورة، "حين يجري الماء نزرع ونعيش، وحين ينقطع، تتوقف الحياة كلها"، ويضيف آخر من طاطا أن عدد النخلات في المنطقة كان بالملايين، واليوم فقدنا نصفها تقريبا بسبب العطش والحرائق المتكررة زادت من معاناة الواحات، إذ تلتهم سنوياً آلاف الأشجار، فيما يضطر العديد من الفلاحين إلى الهجرة نحو المدن بحثا عن مورد بديل، أما الشباب، فيرون في إنشاء ضيعات فلاحية حديثة فرصة للنهوض بالقطاع، لكن غياب الماء وضعف الدعم يجعل تحقيق هذا الحلم صعبا. يشدد الخبراء على أن الحل يكمن في إدارة رشيدة ومستدامة للماء، من خلال بناء سدود جديدة، واستغلال الموارد المتاحة بكفاءة، مع دعم الفلاحين الصغار وتمكينهم من وسائل السقي الحديثة، كما أن فتح ممرات داخل الواحات للتصدي للحرائق يمثل خطوة مهمة لحماية ما تبقى من هذا التراث الطبيعي والاقتصادي، قطاع التمور اليوم يقف على مفترق طرق، إما أن نحسن تدبير الماء وننقذ الواحات، أو نترك النخيل يموت عطشا في صمت، فالواحات ليست مجرد أراض زراعية، بل ذاكرة وهوية لأجيال من المغاربة عاشوا على خيراتها لقرون طويلة. غزو التمور الأجنبية يبرز المغرب واحدا من أهم الأسواق المستهدفة للتمور الأجنبية، حيث يأتي في الرتبة الثانية عالميا بعد الهند من حيث الاستيراد، ويشكل السوق المغربية نقطة جذب كبيرة للمصدرين، نظرا لحجم المبيعات المستمر على مدار السنة، على عكس أسواق أخرى يتركز فيها الاستهلاك في شهر رمضان فقط، إلا أن دخول كميات ضخمة من التمور المستوردة بأسعار منخفضة يفتح باب منافسة غير متكافئة، خاصة لصغار المنتجين في الواحات، الذين يواجهون تحديات مناخية كبيرة تهدد إنتاجهم، فوفرة المحصول المحلي وجودته العالية، إلى جانب ميول المستهلك المغربي للمنتجات الوطنية، لا تكفي لمواجهة تدفق التمور الأجنبية، ومنها التونسية والمصرية والإسرائيلية، بكميات تفوق الطلب المحلي، ما يهدد السوق بالكساد ويضغط على الأسعار. خبراء القطاع يشيرون إلى أن هذه التمور المستوردة غالبا ما تكون من درجات منخفضة، أو معدلة بإضافة مواد مثل الكليكوز لزيادة الحلاوة والحجم، ما يجعلها منافسا غير شريف للمنتج المحلي، كما أن بعض التمور التي تحمل العلامة تونسية ليست تونسية المنشأ فعليا، إذ يتم استيرادها غالبا من الجزائر وإعادة تغليفها قبل تصديرها إلى المغرب. هذا الوضع يطرح تهديدا مباشرا لفرص الشغل في الواحات المغربية، ويقوض جهود دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في قطاع النخيل، في حين تستفيد التمور المستوردة من إعفاءات ضريبية تحسن أرباح المصدرين الأجانب. المطالبة باتخاذ إجراءات صارمة ضد استيراد التمور منخفضة الجودة تتزايد، من بينها فرض قيود على الكميات القادمة من الأسواق المفتوحة، وضمان مطابقة المنتجات لمعايير الجودة، وربما اللجوء إلى حظر نهائي للتمور التونسية، حفاظا على استدامة القطاع المحلي وحماية صغار المنتجين الذين يمثلون العمود الفقري للواحات المغربية.