رحيل الرائد الذي تحدى اليتم والفقر ودخل قلوب المغاربة بالفن غيب الموت، مساء الثلاثاء الماضي، الفنان والممثل عبد القادر مطاع الذي غادرنا عن سن ناهزت الخامسة والثمانين. في هذا الخاص تستعرض "الصباح" محطات من مسار هذا الفنان الاستثنائي الذي طبع حضوره بالصورة والصوت والأداء المميز. إعداد: عزيز المجدوب كانت صرخة الميلاد ذات يوم من أيام 1940 بحي درب السلطان بالبيضاء، والذي يعد واحدا من الأحياء الأسطورية التي ارتبطت بالعديد من الأسماء التي أنجبتها في العديد من المجالات. وكان هذا الحي خلال فترة من تاريخه منبع مجموعة من التجارب والفرق المسرحية التي جاءت استجابة للنسق العام الذي كان يميز هذا الحي الذي جمع بين المقاومة والنضال بالسلاح وبمختلف الأشكال التعبيرية. خلال مطلع الأربعينات كان مجال "درب السلطان" قد اكتملت أرجاؤه، وتشكل نسيجه العمراني من أحياء تنوعت أصول وجذور سكانها، من مختلف مناطق المغرب وقبائله، ابتداء من درب كرلوطي والبلدية ودرب الصبليون ودرب الكبير وبوشتنوف ودرب ليهودي ودرب الشرفا والطلبة ودرب الفقراء والقريعة وصولا إلى درب ميلا شرقا وبقية الأحياء المشكلة له. كان الغضب الشعبي على الوجود الفرنسي ومضايقاته مثل الجمرة الخابية تحت الرماد، التي تنتظر أن تتقد في أي لحظة، وتلهب بنيرانها التسلط والجبروت، لذلك لم يكن غريبا أن ترتبط المقاومة الحضرية المسلحة بدرب السلطان وتتشكل فيه خلاياها لتتقوى وتتطور في انتفاضات شعبية جعلت اسم "الفداء" يرتبط بأكبر شارع يخترق هذا المجال ليحيل على ماضيه التليد في النضال من أجل التحرر. وحدها منطقة درب السلطان بالبيضاء شكلت الاستثناء باعتبارها حيا شعبيا كان يتوفر على أزيد من عشر قاعات سينمائية، وهو رقم غير مسبوق وقياسي، بالنظر إلى حجم هذا الحي، وهو ما أفرز حركية فنية ساهمت فيها هذه القاعات وكانت سببا مباشرا في ميلاد العديد من الأسماء الفنية التي تشربت عشق الفن من فضاءات الحي السينمائية، وساهمت في انبثاق العديد من التجارب المسرحية. يكفي استحضار أسماء لقاعات من قبيل "المسرح الملكي" و"الشاوية" و"الباهية" و"موريطانيا" و"شهرزاد" و"الزهراء" و"الأطلس" و"المامونية" و"الأمل" و"الكواكب" و"البيضاء"، لتنتعش الأخيلة وتستحضر معها مئات الأفلام من كل الأصناف كانت تعرض بها، بل من هذه القاعات ما اختص بعرض صنف معين وأخرى اختارت التنويع في معروضاتها الفنية، ومنها ما صار في خبر كان وطالته أيادي الهدم أو جرى تحويل نشاطها في انتظار تكرار سيناريو الإجهاز المرحلي الذي يتكرر مع كل بناية بالطريقة والأسلوب نفسه. المدلل الفقير وسط هذا المجال الحضري المفعم بالحرارة الإنسانية والقيم التي أفرزها هذا النسيج العمراني، فتح الطفل عبد القادر مطاع عينيه، وهو مدلل أسرة فقيرة بهذا الحي. كان مدللا فقط لأنه كان وحيد الأسرة، ولم يكن يدرك حينها أنه كان طفلا بالتبني، بعد أن فقد والده مبكرا، إلا بعد مدة فكان لهذا وقع ثقيل على نفسيته. تدرج في عدد من المهن البسيطة والمتنوعة مثل النجارة، وإصلاح الدراجات، كما اشتغل في مطحنة للملح، وكان يوزع هذه المادة على عربة مجرورة بحمار على بعض المحلات التجارية بحي درب عمر، إضافة إلى بيع الخضر ومساعدة النساء في نسج الزرابي. وقد أثرت هذه الظروف القاسية على طفولته التي لم يحتفظ منها بذكريات جميلة، غير أن انخراطه في الكشافة والمخيمات الصيفية ساعده على الانفتاح على الفن، حيث بدأ يكتشف موهبته في التمثيل من خلال مشاركته في سكيتشات وعروض كشفية، وهو ما مهد لاحقاً لدخوله عالم التمثيل. "الصحافة المزورة"... الخطوة الأولى وفي هذا السياق يستحضر الزميل حسن عين الحياة ظروف ولوج مطاع مجال الفن، في حوار سابق معه، أنه "ذات مرة، وهو ابن 15 سنة من عمره، كان مطاع يشاهد مسرحية مع الجمهور، يشخصها عدد من الممثلين، أبرزهم المرحوم محمد الحبشي والفنان الكبير محمد الخلفي.. أعجبه الأداء والموضوع وأبهره كيف أن للممثل قوة فوق الخشبة تشد إليه انتباه الجمهور، فتمنى أن يكون واحدا من الفرقة." وهنا، يضيف عين الحياة، بدأ مطاع يمثل بعض السكيتشات القصيرة، خاصة مع منظمة الكشفية، قبل أن تحمله الصدفة إلى تحقيق حلمه والالتحاق بفرقة محمد الخلفي ليشارك معها في مسرحية "الصحافة المزورة"، وهي أول عمل محترف له في عالم المسرح، لكن مطاع وهو فوق الخشبة، لم يستطع النطق بكلمة من حواره، للرهبة التي استبدت به وهو أمام جمهور كبير.. آنذاك صفعه الخلفي لعدم تركيزه مع الدور، فكانت هذه الحادثة بمثابة صدمة كبيرة لممثل بالكاد يشق طريقه في عالم الفن، لكنها في الوقت نفسه، دفعت مطاع ليركز كثيرا مع أدواره، خاصة بعدما منحه محمد الخلفي فرصا أخرى في عدد من مسرحياته التي أبدع فيها خلال ستينيات القرن الماضي، ليصبح عضوا بارزا ضمن أعضاء الفرقة، ومن ثم الخوض في عدد من التجارب التي قادته إلى عالمي التلفزيون والسينما. كانت نقطة التحول في مسار مطاع حين أسند له المخرج حميد بناني دور البطولة في الشريط السينمائي "وشمة" الذي جرى تصويره نهاية الستينات، فوقع مطاع على أداء تمثيلي مبهر ترك معه صدى إيجابيا في عدة مهرجانات داخل المغرب وخارجه، كما فاز بعدة جوائز، أهمها "التانيت البرونزي" لمهرجان قرطاج بتونس سنة 1970. رجل الإشهار الأول التحق الراحل عبد القادر مطاع بمجال تقديم الوصلات الإشهارية،إذ سجل العديد من الإشهارات التي ماتزال محفورة في أذهان المغاربة، كإشهار "شومبوان" الذي برز فيه خلال 1971 في دور قيس، وإشهار شفرة الحلاقة المميز بعبارته الشهيرة " آش كيدير هذا.. وايلي بغا يحسن بللي كاين" ثم إشهار "أنا العاود لبيض يا بابا" الخاص ببطاريات الشحن وغيرها كثير. ومكنه صوته الجهوري وأسلوبه الخاص في التقديم من الالتحاق بإذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية "ميدي 1"، وكان أول الملتحقين للعمل بها رفقة الفنان الراحل عبد العظيم الشناوي، كما كان أول من صدح بصوته عبر أثيرها، من خلال العبارة التالية "سيداتي وسادتي.. صحبة الوفاء، أنتم الآن في الاستماع إلى إذاعة جديدة، إذاعة كل الأجيال، إذاعة الشيب والشباب.. إذاعة دولية، تتميز بالخبر وإعطائه في حينه.. وهذه الإذاعة تدعى إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية "ميدي 1"، امكثوا معنا الآن، مع كشكول من الأغاني، وبصحبتكم عبد القادر مطاع". شارك الراحل مطاع في العديد من الأفلام السينمائية والتلفزيونية منها "تساوت" و"وشمة" و"البراق" و"الشرقي أو الصمت العنيف" و"ذراعا أفروديت" ثم "البانضية" و"المعلمة" و"لعب مع الذئاب" و"آخر الرومانسيين" و"باب الشيطان". ومن أبرز المسلسلات التي شارك فيها "خمسة وخميس" وستة من ستين" و"ذئاب في دائرة" و"أبواب النافذة" و"دواير الزمان" و"دموع الرجال" و"الغالية" و"القلب المجروح" وغيرها. عباسي: طاقة وانضباط كتب عنه المخرج نسيم عباسي قائلا "كان لي شرف العمل مع عبد القادر مطاع في فيلمي "باب الشيطان" (2021). ورغم قلة الأفلام التي أخرجتها في المغرب حتى الآن، فقد كانت لي فرصة اللقاء والعمل مع عدد من كبار الممثلين المغاربة وكان الأستاذ مطاع واحدا من أبرزهم وأروعهم. ما يجعل قصته أكثر تميزا هو أنه كان قد فقد بصره كليا قبل فترة من التصوير، ومع ذلك لم يتردد لحظةً عندما طلبتُ منه أن يجسّد شخصية لا تعاني من العمى. كان يتدرب، ويتحرك، ويؤدي مشاهده بطاقة كبيرة، وانضباط رائع، وروح مفعمة بالحياة ألهمت الجميع من حوله. لم يشتك يوما، ولم يطلب أي معاملة خاصة. كان يريد فقط أن يواصل ممارسة فنه، بتواضع، وشغف، وحب حقيقي للفن. ما زلت أذكر صوته الدافئ، وحسَّه الفكاهي، والطريقة اللطيفة التي كان يناديني بها "مونسيو لدايركتور" عندما علم أنني عشتُ فترة طويلة في بريطانيا. لقد كان فنانا كبيرا، وإنسانا نبيلا، ومثالا في القوة والشجاعة". الوالي: بقيت البصمة والصوت والأثر "برحيل عبد القادر مطاع، يفقد المغرب أحد أعمق الأصوات وأكثرها صدقًا. رجل لم يكن ممثلًا فقط، بل ذاكرة حيّة من جيل صنع البسمة والوعي بصمتٍ واحترام. عرفناه في شخصية الطاهر بلفرياط، رمز الطيبة المغربية، بحسّه الكوميدي الهادئ الذي يُضحك دون ابتذال، ويُعلّم دون أن يتعالى. كما عرفناه أيضًا بصوته الدافئ في الوصلات الإشهارية التي رافقت طفولتنا، بصوت يحمل صدقا ودفئًا لا تصنعه التكنولوجيا، بل يصنعه القلب. مطاع لم يكن نجم شاشة فقط، بل كان ضميرًا فنيًا ظلّ وفيًّا لفنه رغم المرض والتجاهل والسنين. كان يُجسّد جيلًا من الفنانين الذين لم يطلبوا المجد، بل خدموا الفن كما يُخدم الوطن — بصمتٍ وإخلاص. رحل الجسد، لكن بقيت البصمة. بقي الصوت. بقي الأثر".