دراسة حديثة تكشف الأعطاب الكبرى وتعرض الأرقام والإحصائيات وتقدم بعض الحلول أطلق المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية، بدعم من مؤسسة "فريدريش إيبرت"، مبادرة مدنية وطنية تهدف إلى إشراك الفاعلين الجمعويين والمؤسساتيين في نقاش عمومي موسع حول أولويات الشباب وتحدياتهم الراهنة. وتروم هذه المبادرة، من خلال الحوار المفتوح وتقاسم الرؤى، المساهمة في بلورة تصور مشترك حول فرص تمكين الشباب اقتصادياً واجتماعياً وثقافيا، وتعزيز حضورهم شركاء فعليين في صياغة القرار العمومي. إعداد: يوسف الساكت تأتي هذه الدراسة الميدانية لتقدم قراءة علمية دقيقة لأولويات الجيل الجديد في المغرب، في سياق تنزيل النموذج التنموي الجديد والتحولات الرقمية العالمية، إذ لا تكتفي برصد المطالب والتطلعات، بل تسعى إلى بناء خارطة طريق واقعية تمكن صناع القرار من الاستجابة الفعّالة لانتظارات الشباب، باعتبارهم حجر الزاوية في بناء مغرب أكثر عدلاً ومشاركة وابتكارا. وحسب الدراسة، يعد الشباب المغربي اليوم محورا أساسيا في النقاش العمومي، باعتبارهم يشكلون أكبر شريحة ديمغرافية وأكثرها دينامية داخل المجتمع. غير أن هذه القوة البشرية لم تتحول بعد إلى رافعة حقيقية للتنمية، بفعل ما يواجهه الشباب من تحديات مركبة تتقاطع فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقيمية، بسبب ارتفاع نسب البطالة وضعف جودة التعليم وصعوبة الولوج إلى السكن والعمل، إلى جانب محدودية قنوات المشاركة السياسية، ما يجعل فئة واسعة منهم تشعر بالتهميش وضعف الجدوى من السياسات العمومية الموجهة إليها. وفي ظل التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة، تبرز إشكالات جديدة تزيد من تعقيد المشهد، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يطرحان أسئلة عميقة حول مستقبل التشغيل، وأنماط المشاركة، والهوية الثقافية للشباب. وخلصت الدراسة إلى أن هذا الواقع المتغير يجعل من الضروري مقاربة قضايا الشباب بمنظور شمولي يأخذ بعين الاعتبار ترابط الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. واعتمدت الدراسة على مقاربة كمية وكيفية في الوقت ذاته، إذ تم توزيع استمارات على عينة من 585 شابا وشابة من مختلف الشرائح الاجتماعية والجهات المغربية، ما أتاح قاعدة بيانات كمية تمثل جزءا من الواقع الشبابي، كما تم تحليل النتائج وفق مقاربة كيفية تسمح بفهم خلفيات الأرقام وتفسيرها في ضوء السياق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وأتاح هذا المزج بين المنهجين بناء تصور متكامل عن أولويات الشباب وتطلعاتهم. أرقام ومعطيات دالة تعد دراسة أوضاع الشباب المغربي أمرا ضروريا لفهم ديناميات المجتمع وإعداد سياسات تنموية فعالة. ويشكل الشباب كتلة ديموغرافية كبيرة، إذ يقارب عدد من تقل أعمارهم عن 35 سنة ثلث السكان، ما يجعلهم محور الاهتمام الوطني والدولي، كما تكشف البيانات العمرية أن الفئة الأكثر حضوراً هي 26-35 سنة بنسبة 37.9 في المائة، تليها 15-26 سنة بنسبة 30.3 في المائة، فيما تمثل الفئة 35-40 سنة حوالي 25.4 في المائة، والفئة الأصغر 18-25 سنة نسبة محدودة 6.3 في المائة. ويوضح هذا التوزيع تركيز الاهتمام على الفئات المتوسطة التي دخلت سوق الشغل وتتحمل أعباء اجتماعية واقتصادية، بينما الفئات الأصغر تواجه تحديات تعليمية ومهنية، بما فيها فئة "نييت" التي لا تدرس ولا تعمل ولا تتلقى تكوينا. وتختلف أولويات الشباب باختلاف المرحلة العمرية، إذ نجد أن الفئات الأصغر تهتم بالتعليم والتكوين والاندماج الرقمي، بينما الفئات المتوسطة تركز على التشغيل وتحسين الدخل والاستقرار الأسري، فيما تولي الفئات الأكبر اهتماما بتحسين ظروف العمل والخدمات الاجتماعية وجودة التعليم لأبنائها. ويؤكد هذا التدرج الدور الحاسم للدورة الحياتية في صياغة أولويات الشباب. على صعيد النوع الاجتماعي، بلغت نسبة الذكور 54.2 في المائة مقابل 45.8 في المائة للإناث، ما يعكس توازنا نسبيا يتيح دراسة الأولويات وفق الجنس، كما تبرز مشاركة الإناث وعيهن بقضايا العدالة الاجتماعية والمساواة والخدمات العمومية، وهو مؤشر على إدماج المرأة الشابة في صياغة الرؤى المستقبلية. أما المستوى التعليمي، فيتسم بارتفاع نسبة الشباب الجامعيين (46.7 في المائة) وذوي الدراسات العليا (43.1 في المائة)، ما يجعل أولوياتهم مرتبطة بالبحث العلمي وفرص الإدماج المهني المؤهل وريادة الأعمال، بينما يركز الشباب الأقل تعليما على تحسين ظروف التكوين والاندماج في سوق العمل غير المهيكل. ومن الناحية المهنية، يعمل أكثر من نصف الشباب موظفين في القطاع العام أو الخاص، ويشكل الطلبة نحو ربع العينة، بينما تمثل فئات الباحثين عن عمل وغير النشيطين نسبا محدودة، لكنها مهمة في إبراز هشاشة سوق الشغل. كما يظهر التوزيع الترابي تفاوتا واضحا، مع تركيز الشباب في جهات كبرى مثل مراكش-آسفي، والبيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، مقابل ضعف التمثيل في جهات أخرى. أعطاب المشاركة تمثل المواطنة التشاركية إحدى الركائز الأساسية في التجربة الديمقراطية الحقيقية، إذ تعكس وعي الأفراد بحقوقهم وواجباتهم، وتمنحهم فرصة المساهمة الفعالة في صياغة السياسات العمومية وتدبير الشأن العام. ولا تقتصر المشاركة المواطنة على التصويت الانتخابي فقط، بل تمتد لتشمل الانخراط في النقاش العمومي، والمبادرات الجمعوية، والحركات الاجتماعية، وتقديم المقترحات عبر آليات مؤسساتية وغير مؤسساتية. ومنذ إقرار دستور 2011، تعززت أهمية هذه المشاركة بفضل التنصيص على مبادئ الديمقراطية التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مما أتاح للمواطنين آليات أوسع للتأثير في القرار العمومي. غير أن الممارسة العملية تكشف استمرار معيقات عدة، أبرزها ضعف قنوات التشاور وضعف الثقة في المؤسسات، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع المغربي. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن 31.6 في المائة من الشباب يشاركون بانتظام في الحياة المدنية، بينما يشارك 40.2 في المائة منهم بشكل عرضي، في حين يمتنع 28.2 في المائة تماماً عن المشاركة. هذا التفاوت يعكس تنوع أنماط التفاعل بين الشباب والشأن العام تبعا لاختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما تكشف الأرقام عن أزمة ثقة عميقة لدى جزء من الشباب، ناجمة عن شعور بالتهميش وغياب الجدوى من الانخراط السياسي أو الجمعوي. ولكي تتحول المواطنة التشاركية إلى ممارسة راسخة، أوصت الدراسة بتفعيل أدوار المجالس الاستشارية، وتوسيع صلاحيات المجتمع المدني، وتشجيع الابتكار في آليات المشاركة الرقمية، بما يضمن إشراكا أوسع وتجاوز الحواجز الجغرافية والزمنية. فالمواطنة التشاركية، حسب الدراسة نفسها، ليست خيارا تكميليا، بل شرط أساسي لترسيخ العدالة الاجتماعية وضمان التنمية المستدامة وبناء مؤسسات قادرة على استيعاب صوت المواطن وإشراكه في صنع القرار. معضلة الثقة تظهر الدراسات والإحصاءات الحديثة أن المشاركة السياسية في المغرب تواجه عدة تحديات تجعل تفعيل الديمقراطية محدودا نسبيا، إذ تشير المعطيات إلى أن 77.8 في المائة من المواطنين لا يشاركون بانتظام في الأنشطة السياسية. ويرجع ذلك إلى شعور واسع بالإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات، إضافة إلى ضعف الوعي السياسي لدى بعض الفئات، خاصة الشباب والنساء، كما يعزى لعدم شعور المواطنين بأن صوتهم قادر على إحداث تغيير حقيقي، ما يؤدي إلى عزوفهم عن الانخراط الفعلي في العملية السياسية. وتبرز البيانات أن المواطن المغربي غالبا ما يقتصر على متابعة الأخبار السياسية دون المشاركة المباشرة، ما يؤكد الحاجة إلى تعزيز ثقافة المشاركة وتعميق مفهوم المواطنة. ويشير التقرير إلى أن 55.6 في المائة من السكان يرون أن المؤسسات المنتخبة لا تلبي تطلعاتهم، وأن هناك فجوة بين وعود الأحزاب السياسية وما يتحقق على أرض الواقع. وتعكس هذه النسبة العالية مستوى القلق الشعبي من ضعف تمثيلية المواطنين وتأثيرهم في القرارات العمومية، وتدفع إلى التساؤل حول فعالية السياسات المتبعة في إشراك المواطنين في صنع القرار. كما تبرز مؤشرات أخرى انخفاض مستوى الثقة في الأحزاب التقليدية، حيث أظهر 45.1 في المائة من المستطلعين عدم رضاهم عن أداء الأحزاب، ما يعكس ضرورة تحديث البرامج والسياسات لتلبي تطلعات المواطن المغربي، خصوصا في القضايا الاجتماعية والاقتصادية. ويرى كثيرون أن تطوير الأداء السياسي يحتاج إلى تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وإشراك المواطنين بشكل أوسع في عمليات اتخاذ القرار، سواء عبر الاستفتاءات أو المجالس المحلية أو الحوار المدني المفتوح. إضافة إلى ذلك، تشير الإحصاءات إلى أن 23.4 في المائة فقط من المواطنين يثقون في نوايا الأحزاب السياسية، وهو ما يمثل تحديا كبيرا أمام بناء ديمقراطية قوية وقائمة على المشاركة الفعالة. ومن هنا، يصبح من الضروري اعتماد إستراتيجيات مبتكرة لتقريب المواطنين من العملية السياسية، مثل تنظيم برامج التكوين السياسي للشباب، وتشجيع المشاركة في النقاشات العامة، وتحسين أداء وسائل الإعلام في تغطية القضايا السياسية بشكل موضوعي. وخلصت الدراسة إلى أن تعزيز المشاركة السياسية في المغرب يبقى رهينا بتقوية الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وإشراك جميع الفئات في صنع القرار، بما يضمن تنمية حقيقية ومستدامة تعكس تطلعات الشعب المغربي في المستقبل. نظرة الشباب للسياسات العمومية تظهر الدراسات والإحصاءات أن الشباب المغربي يمثل شريحة كبيرة وديناميكية ضمن المجتمع، إلا أنهم يواجهون تحديات مركبة على المستويات التعليمية، الاقتصادية، والاجتماعية. ووفقا لأحدث البيانات، فإن نسبة الشباب الذين لم يحصلوا على أي تعليم تصل إلى 3.4 في المائة، بينما يمتلك 46.5 في المائة منهم مستوى تعليميا ابتدائيا، و39.5 في المائة متوسطا، في حين حصل 10.6 في المائة فقط على مستوى تعليمي عال. وتؤثر هذه الفوارق التعليمية مباشرة على فرصهم في سوق العمل وقدرتهم على المشاركة الفاعلة في المجتمع، كما تعد البطالة من أبرز التحديات التي تواجه الشباب، خاصة أولئك الذين لديهم مستويات تعليمية محدودة، مما يفاقم من مشكلات الفقر والتهميش الاجتماعي. وتتشابك هذه الأبعاد مع المشاكل الأسرية والمجتمعية، إذ يعاني البعض ضعف الدعم الأسري أو بيئات اجتماعية غير محفزة، ما قد يدفعهم نحو السلوكات المنحرفة أو الانخراط في أنشطة غير منتجة. رغم هذه الصعوبات، أظهرت السياسات العمومية بعد سنة 2011 توجها نحو تحسين مؤشرات التعليم والتشغيل، من خلال برامج وطنية تهدف إلى دعم الشباب وإدماجهم في الاقتصاد والمجتمع. إلا أن أثر هذه السياسات يختلف بين المدن الكبرى والمناطق الريفية، حيث لا تزال الفوارق قائمة. في هذا السياق، أصبح من الضروري تعزيز الجهود الرامية إلى تحسين جودة التعليم، وتوسيع فرص التدريب المهني، ودعم الشباب اقتصاديا واجتماعيا، إضافة إلى إشراكهم في عملية اتخاذ القرار وصياغة السياسات العمومية. وتقول الدراسة إن تمكين الشباب المغربي هو ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وضمان استقرار المجتمع، ويجب أن يرافق ذلك تقييم مستمر للمؤشرات الاجتماعية لضمان فاعلية الإجراءات والسياسات المطبقة.