خالد العطاوي صعدوا بخفة إلى عربة "طرامواي" في محطة بالبيضاء، كأنهم يقتحمون الحياة من جديد. خمسة شباب غادروا لتوهم أسوار "عكاشة"، بخطوات مترددة وعيون تبحث عن مكانها في العالم. وما إن أغلقت الأبواب، حتى تغير صمت المقطورة إلى ضجيج غير مألوف. ضحكات عالية، وقصص عن الزنازين والمحاكم، ونقاشات لا تنتهي عن الأيام التي خلفوها وراءهم، إذ كانت الحرية تبدو عليهم، مثل ثوب جديد لم يعتادوه بعد. أخرج أحدهم ورقة بيضاء، رفعها مثل راية نصر، قائلا إنها "ورقة الخروج"، أو جواز عبور من حياة السجن إلى الحرية، أو كما قال مازحا: "تسمح لي بركوب جميع وسائل النقل بالمجان"، حينها لم يضحك أحد، واكتفى الركاب بالصمت، بينما لجأ كثيرون إلى هواتفهم كمن يختبئ من مشهد لا يريد أن يراه. وبين رنين هاتف أحدهم يطلق عبارة تثير الخوف بين الركاب: "خرجت من عكاشة، جاي للدار!"، حينها كان الهواء داخل المقطورة يمتلئ بمزيج من فخر الشباب وحيرة الركاب. أعمارهم تتراوح بين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين، لكن تجاعيد السجن حفرت في ملامحهم ما يشبه السنين الطويلة، إذ تحدثوا عن رفاق خلف القضبان: "واحد سقط في تهمة شهادة زور، وآخر بسبب تحرش، وثالث أراد أن "يدير الخير" فانتهى إلى السوء"، ثم جاء السؤال الذي أوقف الأنفاس: "وماذا سنفعل الآن؟"، حينها ساد الصمت كأن الجميع في امتحان لا جواب له، قبل أن يرد أحدهم بتهكم مؤلم: "واش باغيينا نرجعو نسرقو؟" هنا، شد بعض الركاب محافظهم إلى صدورهم، وكأنهم يحمون أنفسهم من لصوص يتحدون الجميع. في محطة الحي الحسني، نزل الشباب تباعا، تاركين وراءهم فراغا ثقيلا وسؤالا بلا جواب، فبدأ الركاب يتحدثون، هذه المرة بصوت خافت: ماذا ينتظر هؤلاء؟ هل سيعودون إلى السجن؟ من سيساعدهم على بدء حياة جديدة؟ انقسمت الآراء بين من يحمل الدولة المسؤولية، ومن يتهم الجمعيات بالتقصير، ومن يلوم الأسر على التخلي. لكن الجميع اتفق على أن غياب الإدماج هو السجن الحقيقي، وأن الحرية لا تكتمل إلا إذا فتحت الأبواب خارج الأسوار أيضا. لم يكن المشهد في "الطرامواي" مجرد لحظة عابرة، بل صورة مصغرة لوطن ما زال يتعلم كيف يعيد أبناءه إلى الحياة بعد العثرة، فالسجن لا ينتهي حين تغلق البوابة الحديدية، بل يبدأ حين لا يجد الخارج منها من يمد له اليد، وربما كانت تلك المقطورة وسيلة نقل، لكنها في ذلك الصباح حملت قصة وطن بأكمله يبحث عن معنى العدالة الثانية... العدالة التي تنقذ ولا تعاقب فقط.