احتجاجات لإنقاذ إرث الجلد التقليدي من الانقراض تواجه دار الدباغة بتارودانت، المؤسسة التقليدية التي تعد من الركائز الأساسية للصناعة المحلية، أزمة غير مسبوقة تهدد مستقبلها ومستقبل مهنة الدباغة بشكل مباشر، فقد خرج عشرات من الصناع والحرفيين للاحتجاج على قرارات إدارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتارودانت، معتبرين أن هذه القرارات مجحفة وتطول حياتهم المهنية بشكل خطير. وتشمل هذه القرارات زيادات مفاجئة في واجبات الكراء، بالإضافة إلى إنذارات بالإفراغ، في وقت تعاني فيه الحرف التقليدية ركودا اقتصاديا واضحا وتراجع الإقبال على منتجاتها، نتيجة الوضع المعيشي الصعب والمنافسة الأجنبية المتنامية. إنجاز: عبد الجليل شاهي (أكادير) احتشد العشرات من الدباغين والصناع التقليديين بتارودانت أمام مقر نظارة الأوقاف، أخيرا، احتجاجا على ما وصفوه بالضغط المتواصل على قطاعهم الحيوي، ورفع المحتجون شعارات ولافتات تدين "خنق الصناع البسطاء" و"تدهور الصناعة التقليدية تحت وطأة الأزمات"، مطالبين الجهات الوصية بفتح حوار عاجل ومسؤول لحماية هذا القطاع التراثي الذي يمثل أحد الأعمدة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. اشتغال في ظروف صعبة كما أعرب أحد الدباغين عن معاناته الطويلة قائلا: "نشتغل في ظروف صعبة منذ سنوات لتأمين قوت أولادنا، واليوم تفرض علينا زيادات وإنذارات بالطرد. هذا ظلم كبير." كما نبه أحد الحرفيين إلى التداعيات الاجتماعية المحتملة، مشددا على أن الصناعة التقليدية تحتضر، "وإذا أغلقت هذه الورشات سنكون أمام تشريد جماعي لأسر بأكملها، نريد حلا يحفظ حقوقنا وحقوق الأوقاف معا"، على حد قوله. وتحسر أحد الدباغين على الوضع الذي آل إليه اليوم قطاع الدباغة، الذي عرف أوج نشاطه في زمن كانت فيه الأسر تستثمر جلود الأضاحي لصنع الأثاث والزينة، ويزداد الإقبال من قبل السياح على منتجات دار الدباغة اليوم، باتت الحرفة تكافح من أجل البقاء. وأضاف الحرفي، أن الجميع هجر دار الدباغ، ولم يتبق إلا حوالي 33 حرفيا فقط، نتيجة ارتفاع أسعار المواد المستعملة في دباغة الجلود، وانخفاض الإقبال على المنتجات الجلدية التقليدية في الأسواق المحلية والوطنية، إضافة إلى غياب أي دعم مالي مباشر يمكن من تأمين لقمة العيش. ويضيف أن معظم الأسر لم تعد قادرة على دبغ جلود الأضاحي وإعادة تصنيعها منزليا للاستفادة منها في صنع الأفرشة والسجاد التقليدي "الزربية"، ما أدى إلى فقدان دار الدباغة لرواجها الكبير سابقا، و"رغم ذلك نحاول الحفاظ على هذا المورث التاريخي للمدينة". وتظل دار الدباغة في تارودانت، أكثر من مجرد ورشة إنتاج، فهي رمز حي للهوية والتراث الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، فمستقبل هذا القطاع العريق أصبح اليوم بين المطرقة والسندان، بين ضرورة الحفاظ على إرث الأجداد ومتطلبات الواقع المعاصر، في وقت باتت فيه مطالب الصناع التقليديين صرخة للحفاظ على حرفة تنبع من عمق التراث المحلي. حافة الإغلاق يواجه فضاء دار الدباغة بتارودانت خطر التوقف النهائي عن النشاط، بعدما تراكمت على حرفييها مشاكل معقدة، تتوزع بين غياب الدعم وحتمية الوفاء بالتزامات مالية تجاه نظارة الأوقاف، فالحرفيون تلقوا إنذارا يلزمهم بأداء واجبات الكراء المتراكمة لما يزيد عن 33 شهرا، رغم أن أزيد من 20 شهرا منها توقفت فيها الدار عن العمل بسبب جائحة كورونا. القضية تأخذ أبعادا عقارية وقانونية، رغم الاتفاقيات التي تهدف لتشجيع هذا الإرث اللامادي للمدينة، إذ يظل الوعاء العقاري للفضاء محط خلاف يتطلب تدخلا مباشرا من الجماعة الترابية للتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قصد إيجاد مخرج واقعي يضمن استمرارية هذا الموروث. ورغم الجهود المبذولة خلال السنوات الأخيرة لتأهيل هذا الفضاء التاريخي، من خلال بناء محلات للعرض بتمويل تجاوز 300 مليون سنتيم، ومبادرات أخرى ساهمت فيها مؤسسات محلية ودولية كتجهيز بئر لتسريع وتيرة الإنتاج، ثم تدخل المجلس الجماعي سنة 2021 لتجديد المرافق بكلفة فاقت 400 مليون سنتيم، إلا أن وضعية دار الدباغة اليوم لا تعكس حجم الاستثمارات التي ضخت فيها. هذا الوضع المقلق دفع الحرفيين إلى الاحتجاج أمام نظارة الأوقاف، مطالبين بإيجاد حلول عاجلة قبل أن ينغلق باب دار الدباغة نهائيا. شبح الزوال تضج دار الدباغ في تارودانت بذكريات الماضي، بعدما كانت تضم ما يقارب مائة حرفي، لم يتبق منهم اليوم سوى 33 دباغا، ويغادر الكثيرون الحرفة تحت ضغط ارتفاع أسعار المواد الأولية، وتراجع الطلب على المنتجات الجلدية التقليدية، في غياب أي دعم مادي يضمن استمراريتهم. تمارس الدباغة في هذه المدينة منذ قرون طويلة، لتشكل مصدر عيش ودرعا يحمي إرث الأجداد من الاندثار، وتعتمد على جلود الماشية المحلية، والملح والشبة، إلى جانب أصباغ طبيعية تستخلص من قشور الرمان وأوراق الجوز والأركان. وعند الدخول إلى دار الدباغة، تستقبلك رائحة الجلود الممزوجة بالمواد التقليدية، وتشد انتباهك الدكاكين الصغيرة المزدحمة بمنتجات متنوعة، من أحذية تقليدية كالبلغة والنعال، وأحزمة وحقائب وأكسسوارات تثير فضول الزائرين. يتوزع الفضاء على ساحة واسعة تتوسطها أحواض "قصريات" تنفع فيها الجلود بالماء والملح والجير، وتضاف إليها فضلات الحمام والنخالة. تمر العملية بعدة مراحل تبدأ بتنظيف الجلود من الصوف، ثم نشرها تحت أشعة الشمس، قبل صباغتها بألوان طبيعية كالرمان والزعفران، لتنتهي عند "الصنايعية" الذين يحولونها إلى منتجات نهائية. وبرغم كل الصعوبات، يصر الحرفيون على حماية هذا الموروث، معتبرين دار الدباغة أكثر من مجرد ورشة، فهي معلم سياحي وتراثي يختزل هوية تارودانت، ويحكي قصة حرفة تتناقلها الأجيال. إرث متجدد يوضح أحد الباحثين في تاريخ تارودانت أن حرفة الدباغة بالمدينة ليست مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل إرث ضارب في القدم، ورد ذكره في وثائق الأوقاف منذ 1022هـ/1613م، حيث أشير إلى دار الدباغة المرتبطة بمعصرة يحيى والطالب تحت فندق الديوان غرب جنان بن يرة، ويضيف أن هذه الدار التي يعرفها كبار السن اليوم، ترددت أخبارها في وثائق النصف الأول من القرن العشرين، وكانت قائمة بساحة أساراك أوراغ، بابها الجنوبي قريب من المدخل الغربي للسوق الكبير، وعلى مقربة منها بئر مشهورة تعرف بحاسي أساراك. ويشير الباحث محمد السرتي، إلى أن دار الدباغ كانت في تلك الفترة تضم حوانيت وقفية تحتضن أكثر من سبعين دباغا منتصف القرن العشرين، يعالجون جلود الماشية بطرق تقليدية، فيما كان بالقرب منها سوق خاص بالجلود وسوق آخر للخرازين الذين ينشطون في صناعة السروج والنعال والأحزمة والحقائب والدلاء، غير أن هذه الدار، ومعها الحوانيت المتصلة بها، هدمت بعد الاستقلال، لينقل نشاط الدباغة إلى موقعه الحالي خارج باب تارغونت. وفي السنوات الأخيرة، شهد هذا الفضاء عملية إعادة ترميم شاملة بلغت كلفتها نحو 6.5 ملايين درهم، ساهمت فيها الجماعة الترابية لتارودانت ووزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وقد شملت الأشغال إعادة بناء الصهاريج المائية وأحواض الدباغة، وتجديد واجهات المحلات، وربط الفضاء بالشبكة الكهربائية والمائية، وتبليط الممرات، ما منح المكان طابعا يليق باستقبال الزوار، خاصة أن دار الدباغة تعد محطة ثابتة في المسارات السياحية الموجهة لزوار جهة سوس ماسة من مختلف الجنسيات. وتأتي أهمية هذا الفضاء لأنه واحد من بين ثلاثة مراكز كبرى للدباغة التقليدية بالمغرب، إلى جانب وحدتي فاس ومراكش، ما زالت الحرفة فيه تمارس وفق أساليبها القديمة، معتمدة على الأدوات التقليدية والمواد الطبيعية، لتؤكد استمرار حضور هذا الإرث الحرفي العريق في حياة المدينة وهويتها. المنافسة تصارع التراث تعد الصناعات الجلدية التقليدية بتارودانت من أبرز رموز التراث المحلي، حيث تزخر المدينة بمنتجات فريدة تتميز بجودتها العالية وحرفيتها المتقنة، أشهرها "الصندالة" الرودانية والبلغة والأحزمة والحقائب الجلدية. هذه المنتجات ليست مجرد أدوات يومية، بل هي إرث ثقافي يربط الحاضر بالماضي، ويعكس براعة الحرفيين الذين حافظوا على تقنيات تقليدية متوارثة عبر أجيال، بدءا من دباغة الجلود الطبيعية في دار الدباغة، مرورا بعمليات التقطيع والخياطة والتركيب والصباغة، وصولا إلى المنتج النهائي الذي يزين القدمين والأكتاف والحقائب في الأسواق المحلية والوطنية. على الرغم من الجودة العالية لهذه الصناعات وسمعتها الطيبة على الصعيدين الوطني والدولي، تواجه المنتجات الجلدية التقليدية بتارودانت اليوم تحديات كبيرة نتيجة المنافسة الأجنبية وأساليب الإنتاج الحديثة التي تهيمن على السوق ويؤثر ذلك على القدرة التنافسية للحرفيين المحليين، مما يهدد استمرار الحرفة التقليدية ويضع إرث المدينة الثقافي على المحك. كما أن المدينة، عبر دار الدباغة وسوق الخرازين، توفر قاعدة مهمة لتزويد الحرفيين بالمواد الأولية الضرورية، ما يجعل هذه الفضاءات محورية في الحفاظ على هوية الصناعة التقليدية في تارودانت، غير أن هذه الفضاءات تحتاج إلى دعم وإعادة تأهيل مستمر لتظل قادرة على تلبية متطلبات الإنتاج والحفاظ على جودتها، ولتعيد للمنتجات الجلدية رونقها السابق وتمنحها القدرة على المنافسة في الأسواق الحديثة. إرث تارودانت في مجال الصناعة الجلدية يستحق الاهتمام الرسمي والمبادرات المحلية لإعادة التوهج لهذه الحرفة التقليدية، لدعم الحرفيين وتحديث البنية التحتية، وترويج المنتجات محليا ودوليا، لضمان استمرار إرث تاريخي وثقافي غني، يحافظ على مكانة تارودانت واحدة من أبرز المدن المغربية في الصناعات الجلدية التقليدية. حرفة متجددة يسعى الحرفيون بتارودانت باستمرار إلى تطوير الصناعات الجلدية التقليدية، للحفاظ على أصالتها ومواكبتها للزمن الحديث، يوضح أحد الصناع الشباب، متخصص في صناعة "الصندالة" الرودانية، أن الابتكار أصبح جزءا لا يتجزأ من الحرفة، إذ تم تعديل تصاميم النعال والشربيل لتصبح أكثر راحة وتنوعا، مع إدخال لمسات فنية على الكعوب والتطريز، لتلائم أذواق الشباب دون أن تفقد المصنوعات هويتها التقليدية. ويستعين الحرفيون في ذلك بجلود دباغة عالية الجودة، يتم تحضيرها في دار الدباغة، حيث تدبغ جلود الأبقار والماعز وتلون بالأصباغ الطبيعية، ثم تقطّع وفق مقاسات دقيقة تتوافق مع النماذج التقليدية، ويؤكد الحرفيون أن كل مرحلة في صناعة النعال والمنتجات الجلدية تتطلب مهارة وصبرا، فتتحول كل قطعة إلى عمل فني يجمع بين التراث والابتكار. ويشير الحرفيون إلى استمرار نقل المهارات من جيل إلى جيل يضمن قدرة الصناع الشباب على التجديد دون المساس بأصالة الحرفة، ما يجعل المنتجات التقليدية منافسة وقادرة على التكيف مع متطلبات العصر. وتقدم الأسواق الرودانية اليوم مجموعة متنوعة من النعال والمنتجات الجلدية، توازن بين الراحة والجمال، مع ألوان جذابة تتناغم مع الملابس التقليدية والعصرية على حد سواء.