بيروقراطية التعليم العالي تحرم الطلبة من شعبة الإعلام بالقنيطرة

في يناير الماضي، أعلنت جامعة ابن طفيل – القنيطرة، عبر قرار رسمي لمجلسها رقم 59/25، عن ميلاد شعبة جديدة تحمل اسم “علوم الإعلام والاتصال” بكلية اللغات والآداب والفنون. الإعلان اعتبر وقتها خطوة جريئة ستمنح الجامعة موقع الريادة في تكوين جيل جديد من الإعلاميين. لكن المفاجأة الصادمة لم تتأخر: بعد بضعة أشهر فقط، سقط اسم الشعبة من الخريطة البيداغوجية للموسم الجامعي 2025 – 2026، بموجب مذكرة وزارية مؤرخة في 29 يوليوز 2025. وهكذا، ولد المشروع في قرار جامعي، ثم “اختفى” في قرار وزاري، تاركا وراءه أسئلة محرجة بلا أجوبة.
المثير أن الشعبة لم تكن مشروعا عاديا، بل كانت تحمل معها تكوينات نوعية غير مسبوقة: إجازة أساسية في علوم الإعلام والاتصال، إجازتان للتميز في الإعلام الرياضي والإعلام الأمني، وماستر حول “الإعلام وقضية الصحراء المغربية”، إلى جانب ماستر أساسي في “الصحافة والإعلام الحديث”. تكوينات تعكس رؤية استراتيجية تجمع بين النظرية والممارسة، وتفتح الباب أمام الإعلام الرقمي والدبلوماسية الثقافية. لكن فجأة، توقف كل شيء وكأن شيئا لم يكن.
الصدمة كانت واضحة داخل أسوار الجامعة. طالبة في السنة الأخيرة من الدراسات الإنجليزية تقول: “كنا ننتظر فتح الشعبة بفارغ الصبر. الكثير منا كان سيعيد التوجيه نحو الإعلام. اليوم نشعر أننا حرمنا من فرصة تاريخية”. أما أحد الأساتذة الباحثين، فقد علق بغضب: “المشروع مر عبر لجنة علمية مختصة وصودق عليه رسميا، وفجأة يأتي قرار وزاري ليوقف كل شيء دون أي تفسير. هذا عبث في حكامة التعليم العالي”.
المفارقة أن جامعات أخرى بالمغرب لم تتوقف عن تطوير عروضها في الإعلام والاتصال. المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط يواصل ريادته منذ 1969، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء تضيف برامج في الإعلام الرقمي، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان توسع إجازاتها وماستراتها، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس تراهن على تكوينات بحثية رصينة. وحدها جامعة ابن طفيل، التي كانت تملك فرصة للحاق بهذا الركب، بقيت في محطة الانتظار.
الملف لا يخلو من غموض. فإلى اليوم، لم يصدر أي توضيح رسمي يكشف سبب تعطيل المشروع. بعض الأصوات تتحدث عن “تباين الأولويات” لدى الوزارة، التي تفضل مسالك أخرى مرتبطة مباشرة بسوق الشغل. آخرون يلمحون إلى “حسابات إدارية داخلية” و”توازنات خفية” عطلت المشروع. النتيجة واحدة: لا شفافية، ولا تفسير مقنع، والكثير من الجدل.
الخسائر ملموسة: طلبة ضاعت عليهم فرصة تكوينات عصرية، جامعة فقدت ورقة تنافسية، وبحث علمي توقفت مساراته قبل أن تبدأ. الأسوأ أن القضية تحولت من ملف أكاديمي إلى قضية رأي عام تضع سمعة المؤسسة على المحك.
وبين قرار الإحداث وقرار الإلغاء، تاهت شعبة علوم الإعلام والاتصال بين بيروقراطية غامضة وصمت رسمي يزيد من الشكوك. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح: هل كان تجميد المشروع صدفة إدارية، أم قرارا مقصودا تحكمه حسابات غير معلنة؟ وهل تعود الجامعة والوزارة لتدارك الأمر، أم أن الشعبة ستظل “شبحا” يطارد مصداقية التعليم العالي في المغرب؟






