المغرب يربط ياوندي بالعالم عبر شراكة ثقافية متجددة يعد الإعلان عن تجديد الشراكة بين شركة الخطوط الملكية المغربية ومهرجان "الشاشات السوداء السينمائي" بالكاميرون، محطة تتجاوز حدود الحدث العادي، لتجسد فصلا جديدا في علاقة إستراتيجية طويلة الأمد، ففي قلب ياوندي، العاصمة الكاميرونية، أعلن عن تجديد الاتفاقية التي بموجبها ستواصل الشركة المغربية دعمها للمهرجان، بصفتها "الناقل الرسمي" للتظاهرة السينمائية الكبرى، خاصة أن الشراكة ليست مجرد صفقة تجارية أو مبادرة عابرة، بل هي تعبير ملموس عن إستراتيجية دبلوماسية وثقافية أوسع نطاقا، تضع المغرب في موقع الشريك الفاعل والداعم للتنمية الثقافية في القارة الإفريقية. خالد العطاوي (موفد "الصباح" إلى الكاميرون) يمثل التعاون المتجدد بين "لارام" و"الشاشات السوداء" نقطة التقاء حيوية بين قطاع النقل الجوي، الذي يسعى إلى تعزيز حضوره في إفريقيا، وبين قطاع السينما، الذي يعد أحد أبرز أدوات "القوة الناعمة" وأكثرها تأثيرا في بناء جسور التواصل بين الشعوب، إذ أجمع الحاضرون في الكاميرون أن الشراكة بين الخطوط الملكية المغربية ومهرجان الشاشة السوداء تجسيد عملي للرؤية المغربية الطموحة لتعزيز التعاون جنوب جنوب، عبر استخدام الأدوات الاقتصادية والثقافية لتقوية الروابط مع الدول الشقيقة في القارة. "لارام" تبني جسورا لإحياء السينما تكمن أهمية تجديد الشراكة بين شركة الخطوط الملكية المغربية ومهرجان الشاشات السوداء السينمائي في الكاميرون في التفاصيل الملموسة التي يقدمها الدعم، والقيمة المضافة التي يوفرها للمهرجان، إذ أكد الإعلان الرسمي أن الخطوط الملكية المغربية ستكون الناقل الرسمي للمهرجان، ما يوفر للحدث استقرارا لوجستيا بالغ الأهمية، ويضمن استمراريته ونجاحه، خاصة أن الدور المحوري للشركة يتجسد بشكل خاص في قدرتها على تأمين نقل المشاركين من مختلف دول العالم إلى ياوندي. من جهته أكد عبد الحميد عدو، الرئيس المدير العام لشركة الخطوط الملكية المغربية، في حفل للشركة بياوندي، أن "لارام" تبني جسورا تمكن من تنقل المواهب والأعمال الفنية من أجل إحياء السينما الإفريقية وتعزيز حضورها داخل وخارج القارة، موضحا، في كلمة ألقاها بالنيابة عنه الممثل الإقليمي للشركة بالكاميرون، نور الدين بلعياشي، أن الشركة تواكب منذ أكثر من عقد تطور وإشعاع مهرجان الشاشات السوداء، من خلال تيسير تنقل السينمائيين والممثلين والمهنيين الدوليين، إلى جانب دعم المبادرات التي تمكن الأعمال الإبداعية الإفريقية من التألق، مبرزا أنه جرى تجديد هذه الشراكة لعدة سنوات، ما يعكس الالتزام الثابت للشركة بدعم ثقافة القارة الإفريقية، سيما، السينما باعتبارها لغة كونية تشكل الخيال. وأضاف عدو، في معرض تناوله لموضوع هذه الدورة "رهانات توزيع السينما الإفريقية، داخل وخارج القارة الإفريقية"، أن هذه الإشكالية وجيهة لأنها تسائل القدرة الجماعية على بث السردية الإفريقية خارج الحدود، وإتاحتها للجمهور بشكل مرئي ومستدام، مؤكدا أن "سبب ارتباط الخطوط الملكية المغربية بمهرجان "شاشات سوداء" يجسد الشغف المشترك بالفن السابع"، مشيرا إلى أن السينما تجسد رحلة استثنائية تقرب بين الثقافات والشعوب. وأشار عدو إلى أن جوهر هوية الخطوط الملكية المغربية يكمن في قناعة مفادها أنها تشكل الجسر الذي يربط العالم بالإمكانات الهائلة التي تتمتع بها إفريقيا في جميع مجالاتها، الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والثقافية، مجددا التأكيد على إيمان الشركة بإمكانيات القارة والتزامها بالتظاهرات الثقافية والفنية، من السينما إلى الفن المعاصر، ومن دكار إلى ياوندي، ومن واغادوغو إلى أبيدجان أو لاغوس. البعد الاستثماري في المستقبل يضاف إلى البعد اللوجستي، جانب آخر يكتسي أهمية كبرى، وهو البعد الاستثماري في المستقبل، إذ أشار المسؤولون الكاميرونيون إلى أن "المساهمة القيمة" للخطوط الملكية المغربية لا تقتصر على ضمان إشعاع المهرجان ونجاحه، بل تتعداه لتقديم "امتياز مهم جدا" للشباب المبدع في مجال السينما في منطقة وسط إفريقيا، ويتجلى ذلك في التزام الخطوط الملكية المغربية بتحمل تكاليف سفر الفائزين في مسابقة ينظمها المهرجان لصالحهم، لتمكينهم من المشاركة في دورات تكوينية أو مهرجانات سينمائية في الخارج، ما يرسخ صورة الشركة شريكا حقيقيا في تنمية القطاع، ويخلق علاقة ولاء وثقة عميقة تتجاوز أي حملة تسويقية تقليدية. ويرسخ التزام "لارام" المستمر على مدى عقد من الزمان مكانة الشركة، باعتبارها شريكا إستراتيجيا وثابتا في المشهد الثقافي الإفريقي، فاستمرارية الدعم تمنح المهرجان الموثوقية والثقة اللازمتين للتخطيط على المدى الطويل، مما يعزز سمعته ومكانته أحد أبرز التظاهرات السينمائية في القارة، علما أن هذا التآزر بين استمرارية الدعم المؤسسي للشركة واستقرار الحدث الثقافي يخلق نموذجا مستداما للتعاون، ويؤكد أن الدعم ليس مجرد عمل خيري عابر، بل هو استثمار منهجي في القطاع الثقافي الإفريقي. القوة الناعمة يعد دعم الخطوط الملكية المغربية لمهرجان الشاشات السوداء تجسيدا عمليا لإستراتيجية المغرب في الدبلوماسية الثقافية، والتي يعتبرها المغرب موردا إستراتيجيا لتعزيز نفوذه ومكانته على الصعيدين القاري والدولي، ففي سياق يركز فيه المغرب بشكل متزايد على تقوية علاقاته مع شركائه الأفارقة، تضطلع الثقافة بدور محوري، باعتبارها قوة ناعمة لا تكتفي ببناء الجسور، بل تعمل على تعزيز التفاهم المشترك والترابط بين الشعوب، وهي الشراكة، التي تندرج ضمن توجهات عليا للمغرب، وتهدف إلى ترسيخ التعاون جنوب جنوب، كما أكد ذلك الرئيس المدير العام للخطوط الملكية المغربية. ولإظهار أن الشراكة مع مهرجان الشاشات السوداء ليست حالة استثنائية، بل هي جزء من استراتيجية متسقة، يمكن الإشارة إلى أن الخطوط الملكية المغربية تعد شريكا ثقافيا رئيسا في العديد من الأحداث الثقافية الكبرى في القارة، فالشركة هي الناقل الرسمي لمهرجان "فيسباكو" منذ 2014، كما أنها تدعم فعاليات فنية مرموقة أخرى مثل بينالي دكار في السنغال، وبينالي باماكو للتصوير الفوتوغرافي في مالي. ويثبت تعدد الشراكات الثقافية أن الخطوط الملكية المغربية لا تدعم المهرجانات من قبيل المصادفة، بل جزء من إستراتيجية حكومية أوسع لتعزيز النفوذ المغربي في القارة، فمن خلال ربط علامتها التجارية بالثقافة الإفريقية، تكتسب الشركة قبولا من الشعوب الإفريقية، يمهد الطريق للتعاون الاقتصادي، ما يمثل تقاطعا إستراتيجيا بين الأهداف الدبلوماسية والمصالح التجارية للشركة، ويعود بالنفع على الطرفين، فالمغرب يعزز مكانته قائدا قاريا، والخطوط الملكية المغربية تكتسب سمعة شريك حقيقي في التنمية. رؤية النمو الطموحة كما أن العلاقة بين الدعم الثقافي للخطوط الملكية المغربية وخططها التوسعية ليست مجرد صدفة، بل هي علاقة تكافلية مصممة بعناية، فالشركة، التي تتبنى شعار "أجنحة إفريقيا" تسعى لأن تكون الجسر الجوي الذي يربط القارة ببقية العالم عبر مركزها في البيضاء، حينها يصبح دعم المهرجانات الفنية أداة إستراتيجية لتعزيز هذه الهوية التجارية، وتسهيل عملية النمو الطموحة التي تخطط لها الشركة. كما تتزامن المبادرات الثقافية مع خطة الخطوط الملكية المغربية المعلنة لتوسيع أسطولها بشكل غير مسبوق، خاصة أنها تطمح إلى رفع أسطولها، ما يتطلب توسيعا هائلا لشبكة الشركة، خاصة في القارة الإفريقية، ما يؤكد أن دعم المهرجانات الثقافية لا يقتصر على تعزيز السمعة، بل يسهل أيضا من الناحية العملية نقل المشاركين والجمهور، مما يزيد من حركة السفر على شبكة الشركة ويفتح آفاقا جديدة للنمو. نموذج للتعاون جنوب جنوب يمثل تجديد الشراكة بين الخطوط الملكية المغربية ومهرجان الشاشات السوداء أكثر من مجرد خبر عن رعاية تجارية، فهو نموذج للتعاون الشامل الذي يتقاطع فيه التاريخ والدبلوماسية والاقتصاد والثقافة، فالشراكة ليست وليدة المصادفة، بل هي علاقة طويلة الأمد ومستقرة، تمنح المهرجان القيمة المضافة التي يحتاجها لضمان استمراريته وتطوره، خاصة من خلال دعم المواهب الشابة وتأمين الحركة اللوجستية للمشاركين. إضافة إلى ذلك، تعد هذه الشراكة تجسيدا عمليا لإستراتيجية المغرب في الدبلوماسية الثقافية، حيث تستخدم الخطوط الملكية المغربية أداة رئيسية لتعزيز القوة الناعمة للمملكة في إفريقيا، وهو دعم ثقافي ليس معزولا، بل هو جزء من شبكة أوسع من الشراكات التي تؤكد التزام الشركة الثابت بالثقافة الإفريقية، وفي الوقت نفسه، يخدم هذا الانخراط الثقافي أهدافا ثقافية واضحة، فهو يمهد الطريق لخطط الشركة التوسعية في القارة، ويعزز من هويتها جسرا جويا يربط إفريقيا بالعالم. ويرى عدد من الكاميرونيين أن النموذج المتكامل للتعاون بين كيان تجاري ومؤسسة ثقافية يقدم مثالا يحتذى به في كيفية مساهمة الشركات بشكل هادف في التنمية الشاملة، مع تعزيز مصالحها الوطنية والتجارية في الوقت نفسه، إذ يوضح كيف يمكن للاقتصاد والثقافة أن يعملا معا في علاقة تكافلية، لخدمة أهداف القارة الإفريقية. مغاربة في مهرجان التحكيم التأمت شخصيات بارزة من عوالم السياسة والفنون والثقافة والسينما في فعاليات الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان "الشاشات السوداء" للسينما الإفريقية، الذي ينعقد تحت شعار "تحديات توزيع السينما الإفريقية، داخل القارة وخارجها". وتشهد هذه الدورة، التي تتواصل فعالياتها إلى غاية غد (السبت)، مشاركة المغرب بأربعة أعمال سينمائية، ومنها فيلم "وشم الريح" للمخرجة ليلى التريكي، المرشح ضمن فئة الفيلم الطويل الدولي، وفيلم "هذه حياة جونغو" لديفيد فيديل وأبو بكر علي، وهو إنتاج مشترك بين أستراليا والمغرب والسودان، و المسجل ضمن فئة الفيلم الوثائقي، وفيلم "غياب" للمخرج فيصل حليمي وفيلم "2002، معركة ضد النسيان"، من إنتاج سنغالي مغربي مشترك، واللذين تم اختيارهما ضمن فئة الأفلام القصيرة. على مستوى لجان التحكيم، يحضر المغرب بقوة من خلال ثلاثة ممثلين، حيث تترأس صوفيا أغيلاس، وهي منتجة ومديرة مهرجان الحسيمة، لجنة تحكيم فئة الأفلام القصيرة والمسلسلات ومسلسلات "الويب"، بينما يشارك المخرجان عامر الشرقي وعز الدين غوريران في عضوية لجنة تحكيم فئة الأفلام الطويلة، ما يكشف مكانة المغرب المتنامية على الساحة السينمائية الإفريقية. ويذكر أن مهرجان "الشاشات السوداء" تأسس في 1997 على يد المخرج باسيك با كوبهيو، ويهدف إلى الترويج للإبداعات السينمائية من ستة بلدان في وسط إفريقيا وهي الكاميرون، والغابون، والكونغو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد. ويتوخى المهرجان تعزيز ثقافة سينمائية تنمي الوعي وتحفز النقاش، بالإضافة إلى تشجيع اللقاءات بين المخرجين والممثلين والمهنيين في مجال الفن السابع، إلى جانب الدفع بالتكوين في مهن السينما والسمعي البصري.