شريط عمر لطفي و"ريدوان" نسخة مشوهة عن "كازا نيكرا" من هذا الشيطان اللعين الذي وسوس لفئة عريضة من المخرجين والمنتجين المغاربة أن أسهل طريق في السينما هي الفكاهة؟ وكيف تمكن من الاستئثار بأحلام يقظتهم إلى درجة أنهم صاروا يتخيلون عملية الإضحاك أشبه بحمار مروّض من السهل امتطاؤه دون بردعة؟... ومن هذا "الرجيم" الذي أقنع فئة أعرض من الممثلين (والممثلات) بأن سنوات قليلة من الوقوف أمام الكاميرا، كفيلة بأن تمنحهم جواز المرور للوقوف خلفها، أو هما معا، في استسهال تام لعملية الإخراج ولدور المخرج المركزي في العملية الإبداعية من كافة تفاصيلها، وليست فقط إعطاء إشارة انطلاق عملية التصوير. استسهال الفكاهة والإخراج، والسينما عموما، تكون نتيجته فيلم اسمه "كازا كيرا"، انضاف إلى سلسلة الأفلام الفكاهية الرديئة التي ابتليت بها السينما المغربية خلال السنوات الأخيرة، والتي صارت تستنسخ وصفات الفشل في ما بينها، وتتسابق حول من سيكون أردأ من الآخر. شريط "كازا كيرا" الذي سبقه لغط كبير، قبل العرض أو بعده، لا حول مضمونه السينمائي أو رؤيته الإخراجية، أو مستوى أداء الممثلين والمشخصين فيه، بل حول المشاكل الجانبية المفتعلة حوله بشكل مقصود، وعبر الاستعانة برموز التفاهة والرداءة، من أجل خلق هذه الهالة التضليلية التي تصرف أنظار المتلقين عن الجوهر والانجراف حول "بوز" زائف لا يشفع في أن يجعل فيلما رديئا جديرا بأن يوصف بأنه سينمائي. فقر إبداعي ما إن انقضت لحظة تقديم العرض ما قبل الأول، مع ما رافقها من جدل مفتعل، كان "بطله" إلياس المالكي، الذي ما إن غادر غرفته بالسطح واصطدم بالعالم الخارجي، حتى وجد نفسه كائنا يفتقد لأبجديات اللياقة والتعامل مع الناس بطريقة متحضرة، حتى نزل الشريط إلى القاعات السينمائية لينافس على مكانه بين بقية الأفلام. مضت دهشة اليوم الأول، وفي اليوم الثاني، أول أمس (الخميس)، كان الحضور باهتا بإحدى قاعات المركب السينمائي ميغاراما بالبيضاء، ما يعكس أنه حتى الرهان على الجانب التجاري بالاستعانة بالفكاهة في السينما لم يكن موفقا، لأن الاختيارات الفنية والرؤية الإخراجية الفقيرة وضعف الأداء تجهض كل محاولة لإنتاج الفيلم تجاريا، لأن المتلقي المغربي ملّ من تكرار التجارب الإضحاكية الفاشلة. منذ اللقطة الأولى للفيلم بل حتى في اختيار العنوان "كازا كيرا"، بدا أن المخرج عمر لطفي لم يخرج من عباءة تجربته البكر ممثلا في "كازا نيكرا". هذا التقارب الصوتي بين حروف العنوانين، يكشف فقرا في الإبداع والتنويع والبحث عن عنوان آخر. ولم يقتصر الاستنساخ فقط على العنوان، إذ تعداه إلى مشاهد مستعادة بشكل كاربوني من فيلم المخرج نور الدين الخماري، فضلا عن الجمع بين الوجهين عمر لطفي (مخرجا وممثلا) وزميله أنس الباز، في مواقف ومشاهد مكررة لشابين يجمعهما حلم واحد للبحث عن المال أو الذهب، لتقودهما الأحداث نحو شخصيات سيكوباتية، أو مواقف بحانات ومطاعم أو مستشفيات أو جنائز أو حفلات زفاف. لا رابط منطقي بين أحداث الفيلم، ولا تحاول أن تُعمل عقلك وأنت تشاهده، لأن آخر شيء يمكن أن يستهدفه هذا العمل هو عقل المشاهد، حتى الحوارات ملتقطة بشكل عشوائي من قاموس "الزنقة" وتجميع فج لقفشات مستهلكة، مع ثرثرة غير مبررة في معظم مشاهده، خاصة من قبل الممثل رشيد رفيق. أما عملية إضحاك المتلقي، ففعلا قد تتمكن من انتزاع بعض الابتسامات والقهقهات، لكن شفقة على مستوى الفكاهة الذي وصلت إليه في شريط "كازا كيرا"، عبر الاستعانة ب"التعواج" وافتعال الحركات البهلوانية التي لم تعد تضحك حتى الأطفال الصغار. كما كان للاستعانة بمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي وتوظيفهم بشكل عشوائي دون تأطير أو إدارة الممثل من قبل المخرج، أثرهما الواضح على مستوى أدائهم بشكل جعلهم يظهرون بشكل بئيس، فضلا عن سوء توظيف أسماء مجربة ومخضرمة في التمثيل، ما يعكس أن العمل كان عبارة عن تجميع غير مخطط له للشخوص والمواقف والأحداث والحوارات المرتبكة. أما توظيف المتطرفين الدينيين في الفيلم، فقد كان بطريقة مستهلكة ومشوهة، عن نسخ سابقة من أفلام لعادل إمام وغيره، وهو الدور الذي أسند للممثل رفيق بوبكر، الذي لم يتوفق فيه بسبب فقر السيناريو والحوار وضعف إدارة الممثل والرغبة في ملء الفراغ بأي شيء. من يصدق أن منتجا عالميا مثل "ريدوان" ارتبط اسمه بإنتاج أعمال عالمية مع مشاهير كبار، ينتهي به المطاف ضمن تجربة سينمائية لم تتوفق لا في أن تكون فكاهية ولا تجارية. الودغيري: "شلاضة نيكرا" كتب الناقد رشيد الودغيري عن فيلم "كازا كيرا" قائلا "شاهدت صدفة وبدون سابق تربص فيلم "كازا كيرا " أو "شلاضة نيكرا". من عادتي ألا أكتب عن الإنتاجات الذاتية رغم ضعفها مهنيا، ذلك تشجيعا لها على روح المغامرة وتركها تُجرب اقتحام عالم الصناعة السينمائية، وتحتك بشباك التذاكر من أجل جس نبض الجمهور، والاجتهاد كتابة في استقطابه لفرجة سينمائية، قد تتطور مع الوقت والتجريب. ما استفزني، هو مستوى ما تحت الغباء الذي أتى به شريط "كازا كيرا"، فهو يستبلد الجمهور، بفكرة مُستهلَكة سينيمائيا وتلفزيونيا و"زنقويا"، وسيناريو مسروق اقتباسا ومسخا جملة وتفصيلا من ريبيرتوار الزعيم عادل إمام، وإخراجا أضعف من أضعف حلقة من برنامج "تلفزي"، وكاستينغ خارج مجرة نجوم بورغون. شلاضة نيكرا حامضة ومسلوقة". شريط لا يرقى لأضعف حكواتي بجامع لفنا، ولا يُضحك أغبى متفرج، به حشو لقفشات gag ولا واحدة منها متقنة وتامة، مع أداء خشبي ثقيل لكل طاقم التمثيل. سؤالي: كمستهلك لسلعة فاسدة، كيف لي أن أسترجع ثمن التذكرة وكيف لي بأن أطالب بتعويض عن الضرر الذي لحق بعيني وبمداركي السينيفيلية، في إطار قانون حماية المستهلك؟". ثلاثة أسئلة: واكريم: ابتلينا بالرداءات السينمائية ما رأيكم في موجة الأفلام الكوميدية التي غزت السينما المغربية خلال السنوات الأخيرة.. وكأنها اختيار موجّه؟ موجة "الأفلام الكوميدية" التي غزت القاعات السينمائية المغربية منذ مدة ليست بسينما، إذ لا تتوفر على الحد الأدنى من شروط العمل الفني والسينمائي، بل هي مجرد اسكيتشات أو نكات أو "قفشات" لا يربط بينها أي رابط درامي. زيادة على أن الكوميديا لها شروطها وقوانينها واتجاهاتها، وهذه الأشياء لا تحضر فيها هذه الشروط نهائيا، فلا كتابة حقيقية ولا إخراج يضبط الإيقاع الدرامي ويوجه الممثلين، ليشخصوا أدوارا حقيقية غير موجودة، وينبني على تصور قبلي للعمل، ولا تمثيل في المستوى. نجد في السينما العالمية أفلاما كوميدية حقيقية ظلت في الريبيرتوار السينمائي العالمي لحد الآن وتستمتع الأجيال المتتالية بمشاهدتها وإعادة مشاهدتها، بل حتى عربيا، لكن نحن ابتلينا بهذه الرداءات للأسف. يبدو أن هناك إرادة لفرض هذا المستوى المتدني على السينما المغربية، التي تشهد أحد أزهى عصورها بحضور أفلامها في مهرجانات عالمية ونيل الاعتراف بها، لكن وللأسف أن هذه "الأفلام" وغيرها التي تتوفر فيها شروط العمل السينمائي الحقيقي لا توزع في القاعات وحتى إن وزعت ترفع بشكل سريع لكي يخلو المجال لمثل تلك الرداءات التي توصف ظلما بأنها أفلام كوميدية وماهي بذلك. ما هي حدود التجاري والإبداعي في هذه النوعية من الأفلام؟ باستثناء قلة قليلة جدا من أفلام حقيقية احترمت شروط الكوميديا، فإن الباقي لا يمكننا من الحديث عما هو إبداعي فيه، ولتظل التجارة فقط هي الحاضرة وهاجس الربح المادي هو المسيطر على منتجيها ومقترفيها حتى لا أقول مخرجيها. إن العملية الإخراجية غائبة فيها نهائيا. يحضرني على سبيل المثال كاستثناء إيجابي فيلم "قرعة دمريكان" أو "غرين كارت" للمخرج هشام الركراكي، الذي احتل منذ سنوات قليلة المركز الثاني في البوكس أوفيس المغربي، بحد أدنى من الإبداع الفني، لكن رغم ذلك لم نشاهد تجارب تحاكي هذه التجربة أو تحاول تجاوزها لما هو أفضل. كيف ترى مسألة الاستعانة بمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي لتأثيث الأفلام السينمائية؟ كل الأفلام التي تمت فيها الاستعانة بمؤثرين كانت دون المستوى ورديئة ولا ترقى حتى أن تنعت بأنها أفلام سينمائية.. طبعا من حق أي مخرج أن يستعين بمن يراهم مناسبين لتأدية أدوار في أفلامه وتشخيص أدوار فيها بالشكل الذي يراه مناسبا، ونحن علينا أن نعطي رأينا في النتيجة النهائية التي يبدو عليها الفيلم، ومن بين الأمور التي يجب أن تكون جيدة في فيلم سينمائي التشخيص الجيد وهذا ما ينتفي في أفلام شارك فيها مؤثرون، إذ لم يظهر أي مؤثر جاء من مواقع التواصل الاجتماعي بشكل جيد في فيلم مغربي.. وعموما هناك ممثلون وممثلات مغاربة خريجو المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي وهم أولى بأن تعطى لهم أدوار في الأفلام السينمائية المغربية. عبد الكريم واكريم (ناقد سينمائي)