الباحث عبد العالي المتليني يستعيد الأشغال العمومية في مرحلة ليوطي في كتابه "الأشغال العمومية بالمغرب على عهد الحماية.. مرحلة ليوطي (1912 ـ 1925)" يتوقف الباحث عبد العالي المتليني عند موضوع الأشغال العمومية، باعتباره قضية استعمارية محورية، شكلت قطب الرحى في السياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب إبان فترة الحماية، وعليها بنى نظام الحماية الفرنسية جزءا من مشروعه التوسعي الاستعماري في شموليته. وأبرز المتليني المزاوجة بين تسهيل التدخل الاستعماري واستغلال مقدرات البلاد، عبر تهيئة الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخدمات البريد والمواصلات. في هذا الخاص اختارت "الصباح" المحور المتعلق بتهيئة الطرق ودوره في تنفيذ المخططات الاستعمارية. إعداد: عزيز المجدوب يرى الباحث عبد العالي المتليني أن الطرق الحديثة بالمغرب وليدة عهد الحماية، التي وضعت مخططاتها من أجل ربط مناطق المغرب، أي المناطق الداخلية بالمناطق الساحلية. وشكل الربط الطرقي آلية للاندماج السياسي والاقتصادي، الذي ينمي سلسلة الأنشطة الاقتصادية ويجعل الطرق في خدمة الإنتاج والاستهلاك وتوفير الظروف الملائمة لاستقطاب الاستثمارات الداخلية والخارجية، ووسيلة لبسط الدولة لنفوذها السياسي داخل حدودها الترابية. واحتاج الفرنسيون خلال الفترات الأولى للحماية إلى طرق معبدة واسعة لمرور عرباتهم، إذ تم إعداد الكثير من تلك الممرات التي كانت موجودة لمرور القوافل العسكرية الفرنسية، خاصة أن عمليات توسع الاحتلال انطلاقا من المراكز المحتلة، كانت تستدعي مد الطرق لتسهيل تنقل العربات الحاملة للإمدادات والعجلات الجارة للمدافع. أي أن الاحتلال الفرنسي للأراضي المغربية كان يسير جنبا إلى جنب مع مد الطرق. "طريق السلطان" و"طريق السفراء" شهدت وظيفة الطرق تحولات مع توسيع عمليات التوغل الاستعماري بالمغرب، لتتحول، يقول عبد العالي المتليني، إلى الآلية الأساسية في إطار التوغل بعدما عجزت السكك الحديدية عن مسايرة التطورات المتسارعة للنقل الطرقي. وأشار الباحث إلى إحدى الآليات والتقنيات التي ارتكن إليها الفرنسيون في التعرف على المسالك والطرقات، وأيضا إعداد التصاميم والخطط لربط المناطق والجهات، منها الاتجاه العام للتضاريس الذي شكلته مسارات الطرق التاريخية للمغرب بممراتها الطبيعية وفجاجها وأوديتها، والتي ظلت نقط العبور للقوافل التجارية، وللقوات العسكرية المتجهة من الجنوب إلى الشمال المخترقة لسلسلتي جبال الأطلس والريف، أو من الغرب في اتجاه الشرق عبر ممر تازة أو العكس. وعرفت هاته النقط لدى العامة والخاصة بتسميات عديدة، أشهرها تبك التي تأخذ أسماء رسمية، والتي تعود إلى فترات موغلة في تاريخ الدولة المغربية، ومنها على سبيل المثال ما يعرف ب"طريق السلطان" كالطريق الرابطة بين فاس وتافيلالت، و"طريق السفراء" كتلك التي تربط بين طنجة وفاس. أما الآلية الأخرى التي استعملها الفرنسيون، فهي الطيران الذي استعمل لهذه المهمات في المناطق الجبلية على وجه التحديد، إذ استعانوا بالصور الجوية، خاصة في مراحل حروب التهدئة، لذلك كانت هذه الوسيلة بمثابة آلية تحدد المستلزمات والأعمال التقنية الضرورية لتهييء الطرق وبنائها والأشغال المرتبطة بها. الأوراش الأولى انطلقت الأوراش الطرقية الأولى بالمغرب مع المخطط الخماسي ل1914، وكان من أهدافه الكبرى ربط كبريات المدن في ما بينها، والذي تحدد إنشاء 1500 كيلومتر من الطرق الرئيسية، إذ أعلن المقيم العام هوبير ليوطي عن الشطر الأول من هذا المشروع بعدما كانت 780 كيلومترا منه منتهية الدراسة، أي أكثر من النصف، وقد حدد لإنجاز هذا المشروع رصيد مالي قدر ب36 مليون فرنك. وتمت المناقصة بشأن المشروع بإشراف "اللجنة العامة للمناقصات والصفقات" اعتمادا على الصندوق الخاص للأشغال العمومية، بينما قدمت للجنرال ليوطي الضمانات التي تؤكد الانتهاء من الدراسات حول باقي المشروع بحلول أبريل 1915. ومكّن إنجاز مخطط 1914 و1916 من ربط مراكش بالصويرة، وأسفي والجديدة ثم الدار البيضاء، وارتبطت فاس من خلالهما بالساحل عبر طريقين: الأولى: فاس إلى سيدي قاسم ثم القنيطرة، عبر زكوطة ووادي سبو، وشملت تحسين مسار "القنيطرة ـ لالة إيطو ـ دار بلعمري ـ مكناس" و"دار بلعمري ـ زكوطة ـ فاس"، وتسمى في بعض الكتابات "طريق بني احسن"، لكن دون احتساب القسم الذي يتجه من زكوطة إلى فاس، ويبدأ مسار هذا الطريق بالرباط وسلا والقنيطرة ودار بلعمري وسيدي قاسم وباب تيوكة ومكناس وفاس. أما الثانية فتمر من فاس إلى مكناس ليلتف على كتلة جبل كاف، ويخترق هضبة "هود" وينحدر في اتجاه خوانق "همون"، حيث يلتقي بالطريق الأول عند سيدي سليمان، ليتجه نحو القنيطرة وصولا إلى الرباط، ويسمى هذا الطريق ب"طريق زمور" (الرباط وسلا والخميسات ومكناس وفاس)، إذ تحدثت بعض التقارير عن استخدامه قبل الحماية، ويتصل هذان الطريقان في باب "تيانكا" وفي القنيطرة يلتقيان بطريق سوق الأربعاء ليتجها إلى غاية الحدود بين الحمايتين الإسبانية والفرنسية. ومن الدار البيضاء انطلقت طريق نحو الأطلس المتوسط، مخترقة سهول الشاوية وتادلة عبر أبي الجعد، فتادلة ثم بني ملال، وارتبطت الدار البيضاء بفاس عبر القنيطرة والرباط، من الرباط انطلقت طريق أخرى نحو أعالي ملوية عبر أزرو. مسارات طرقية يعود تاريخ إنجاز أول مشروع طريق معبدة بالمغرب إلى 1914، وربطت هذه الطريق بين الجديدة والبيضاء، والرباط والقنيطرة. وجاءت تفاصيل إنجاز هذا المقطع الطرقي انطلاقا من أكتوبر 1914 بدءا بالطريق الشاطئية الكبرى الرابطة بين الجديدة والدار البيضاء، إذ تم الانتهاء من هذا المقطع الطرقي في 1916، بما فيها تلك العابرة لأزمور، وهي السنة التي شرعت فيها إدارة الأشغال العمومية بالدار البيضاء بتوجيه الآلات للعمل في الطرق الثانوية. وبحلول أبريل 1914 كانت سلطات الحماية قد أصلحت الطريق رقم 2 الرابطة بين بن أحمد وسطات إلى راس العين، وأصبحت صالحة لاستعمال السيارات، وتم إتمام الطريق رقم 7 الرابطة بين سطات والدار البيضاء وفق الأشغال المقرر عملها على مسافة 72 كيلومترا. أما الطريق الرابطة بين القنيطرة والرباط وصولا إلى الدار البيضاء، مثل الشق الثاني من أول طريق شرعت الحماية في إنجازها كذلك منذ 1914، وفي مارس 1917 كانت السلطات المختصة قد منحت الرخصة لإنجاز الشطر الثاني والثالث والرابع من الطريق الوطنية الرابطة بين البيضاء وأبي الجعد. وفي فبراير 1918 تم تمكين المقاولين "دومرك" و"بران" من إنجاز المقطع الطرقي الرابط بين الدار البيضاء وبن أحمد رقم 101 وبالضبط بين سيدي حجاج و"بوشرون" (الكارة حاليا)، ثم المقطع الطرقي الرابط بين سطات وبولعوان والطريق الثانوية بين برشيد وعين "صيّرني". محاور طرق أخرى شكلت وجدة بالنسبة إلى الجهة الشرقية نقطة ارتكاز العديد من المحاور والطرق التجارية منذ العصور الوسطى، واشتمل خلال فترة الحماية، على محور طرقي يتمثل في خط السكة الحديدية وخط السيارات والعربات الرابطة بين وهران ووجدة عبر لالة مغنية، ثم محور طريق في اتجاه الشمال يربط وجدة بمليلية عبر مشرع الصفصاف، ومحور في اتجاه الغرب يربط تازة بوجدة عبر العيون وتاوريرت، وهو خط السكة الحديدية، استخدم في الغالب لأغراض عسكرية، كان الهدف منه ربط ميناء وهراء بميناء الدار البيضاء عبر فاس. وهناك محور طرقي في اتجاه الجنوب نحو تافيلالت عبر بركنت وتندرارة وفكيك، وتأتي أهمية هذا الخط بالنظر إلى خط السكة الحديدية الذي أنشأته الحماية الفرنسية، انطلاقا من وهران إلى غاية بشار عبر السعيدية وعين الصفراء، وضمنها فتح طريق أوطاط أيت ازدك، وأوطاط الحاج وكرسيف متبعة مجرى واد ملوية. أنواع الطرق ميز الباحث عبد العالي المتليني بين ثلاثة أنواع من الطرق في بداية/ نهاية الحماية، أولها طرق معبدة ومزفتة بلغ طولها أكثر من تسعة آلاف كيلومتر، تتفرق عن الطريق العرضي الذي يربط بين وجدة والبيضاء وأكادير، وهناك طرق داخلية تتسلق الهضاب وتمر عبر الجبال لتربط مدن الشاطئ بالمناطق الزراعية والمعدنية، ولهذه الطرق أهمية إستراتيجية خاصة بعد إنشاء الطريق الجديد: أسفي وخنيفرة وميدلت وبركنت. والنوع الثاني طرق تجاوز طولها 4250 كيلومترا من الطرق الثلاثية، تستعمل في كل وقت، وتقود إلى الضيعات وقرى الاستعمار بمكناس وغيره. أما النوع الثالث فهو "المدكات" (piste) تعتمد على استعمال الماء والحصى في ضغطها لتصبح صالحة للاستعمال، كانت قد جربت في الجزائر مع المهندس "بوانسينون" والمهندس "فرانشي" و"كازان" طولها أزيد من 32 ألف كيلومتر، أنجزت بفضل الواجبات العينية التي قدمها رجال القبائل.