fbpx
حوادث

  قراءة في الفصل 278 من مدونة الحقوق العينية

الشرط في الواهب ألا يكون معسرا أو وشيك الوقوع حتى لا يضر بدائنيه (الحلقة الأولى

بقلم: مبارك السباغي    *
بقلم: مبارك السباغي *
)

أثارت المادة 278 المتعلقة بالهبة والصدقة عدة تساؤلات في تطبيقها وفي معرفة ما يقصده المشرع من ذلك وأصبحت بعض الجهات المختصة تغالي في التمسك بحرفية النص  والمبنى دون البحث عن المعنى وروح هذه المادة والهدف المقصود منها وأعطت تفسيرا ضيقا وحرفيا قد يتسبب في شل كل المعاملات  التي تدخل ضمن مقتضيات الفصل 278 من القانون رقم 39 – 08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية.

لست أدري لماذا ترفض هذه العقود في غياب أي ضرر يمكن أن نتصوره ؟ والاجتهاد الذي يجب الوصول إليه هو الذي يتم في اتجاه تتميم غموض النص وكل حل نجده لا يضر بالأطراف المتعاقدة يجب قبوله وتبنيه، لأن التصرف قانوني بين أشخاص لا يمس بالنظام العام ولا بالأخلاق الحميدة.
1 – القاعدة العامة
 من الشروط الملقاة على الواهب ألا يكون في حالة اعتسار، والاعتسار خلاف الإفلاس، يلحق الأشخاص المدنيين، فالشخص المدني حينما يحيط الدين به، ويستغرق ذمته المالية يكون في حالة إعتسار. فالشرط فيه عند الهبة ألا يكون معسرا إعسارا بينا أو وشيك الوقوع، حتى لا يضر بدائنيه. فأمواله ضمان عام لدائنيه كما جاء في الفصل 1241 من (ق.ل.ع) : « أموال المدين ضمان عام لدائنيه، و يوزع ثمنها عليهم بنسبة دين كل واحد منهم ما لم توجد بينهم أسباب قانونية للأولوية « والمنع يلحق جميع عقود تبرعه كانت بصورة مباشرة أو عن طريق بيع صوري، وإذا فعل، جاز لدائنيه طلب بطلان تصرفه لما فيه من إنقاص لضمانهم العام. وهذا الضمان حق للدائنين. ولكل صاحب دين أن يحافظ عليه، وأن يحول دون إنقاصه أو تهريبه. والملاحظ هنا أنه كلما كان الدين عاريا أي مجردا من الامتياز وليست له حماية أو ضمان، إلا وتم إبطال كل تصرف صادر من المدين بطلب من الدائنين، نتج عنه تملص من أداء الدين وضرر لهم. فالمقرر فقها وقضاء أن الهبة تتعارض لإحاطة الدين بالواهب، لما تؤدي إليه من إضعاف الضمان العام المقرر لدائني الواهب. وهذا ما أقره القضاء في ما قضى به في قرار محكمة النقض عدد 48 الصادر في 2010/02/03 الغرفة المدنية الأولى في ملف عدد 399/2008/6.
( القاعدة: هبة- إضرار بالدائن- بطلان الهبة )، والقرار رقم 792 المؤرخ في 20 نونبر 2012 ( غرفة الأحوال الشخصية و الميراث- الملف عدد528/2/1/2010-القاضي برفض الطلب )، الذي جاء فيه:
«لما ثبت للمحكمة أن الواهب عمد إلى عقد هبة العقار لابنته بعد أن تقدم المطلوب بشكاية ضده من أجل إصدار شيكات بدون مؤونة، والتي انتهت بإدانة الواهب ابتدائيا واستئنافيا من أجل ذلك، وقضت تبعا لذلك ببطلان الهبة المذكورة لعقدها والدين محيط بالواهب، تكون قد أصابت صحيح القانون…».
إن محكمة الاستئناف وهي تبت في المادة المدنية أصدرت القرار الآتي : «وحيث يؤخذ من محتويات الملف أن محمد (الطاعن) تقدم بواسطة نائبه بمقال بتاريخ 7 يناير 2003 يعرض فيه أنه كان دائنا للمدعى عليه عبد الرحمان بقيمة سندات شيكات مسحوبة عن البنك المغربي للتجارة والصناعة الأول بمبلغ 45900 درهم والثاني بمبلغ  65000 درهم وتمت إدانة الساحب من أجل ذلك ابتدائيا واستئنافيا ( ملف جنحي تلبسي استئنافي عدد 19/2001/3548  بتاريخ 2001/9/28 ) تم استصدار حكم قضى له بمبلغ 168650 درهما أصل الدين وتعويض قدره 12000 درهم عن التماطل وتفاديا لتطبيق  مسطرة الحجز التنفيدي على العقار، أنجز المدين المدان عقد صدقة لفائدة بنته القاصر سناء بواسطة والدتها النائبة عنها شرعا والتي هي مطلقة المتصدق وأصبح العقار في ملكية المتصدق عليها بحسب شهادة الملكية للمحافظة العقارية، وأنه لا يجوز التصدق بمال والذمة مليئة بالدين ملتمسا إبطال عقد الصدقة وأمر المحافظ على الأملاك العقارية، بتضمين الحكم بالرسم العقاري، مدليا بصورة لعقد الصدقة وأخرى لحكم جنحي وثالثة لقرار استئنافي جنحي وشهادة للمحافظة العقارية ومذكرة تصحيحية أدخل بموجبها المتصدق عليها سناء في الدعوى. وبعد إدلاء هذه الأخيرة بواسطة نائبها بجواب مفاده أن المقال معيب من حيث الشكل لعدم إدخال زبيدة النائبة الشرعية ووالدة المتصدق عليها وأنه لا وجود للحكم المدني القاضي بالمديونية وأن دعوى إبطال العقود محددة ضمن الفصول 4-39-55-311 من (ق ل ع)، وأن عقد الصدقة سليم قانونا وشرعا وأن المدعي ليس طرفا فيه فضلا عن إغفاله إعمال مقتضيات الفصل 85 من ظهير التحفيظ العقاري بتقييد احتياطي وأن تاريخ تقييد الصدقة في اسم سناء بالرسم العقاري (2001/6/1 ) سابق لتاريخ صدور الحكم الجنحي ( 2001/7/16 ) وتعقيب المدعي بواسطة نائبه موضحا بأن الدعوى صحيحة، وأن الفصول القانونية المثارة بجواب الطرف المدعي عليه لا علاقة لها بالنزاع مدليا بنسخة وصورة لحكم ابتدائي بتاريخ 2001/11/25 .
  صدر الحكم المستأنف وقد عاب عليه الطاعن بعد عرض موجز لوقائع النازلة انعدام التعليل وخرق مقتضيات الفصل 315 من (ق ل ع)، إذ  لم يتم الجواب عن دفوعه وأن استناد الحكم إلى الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري، ينطوي على التخمين و الأولى اعتماد الفصل 67 من الظهير نفسه الذي ينص على عدم الإضرار بحقوق الأطراف وكذا الفصل 231 من (ق ل ع)، الذي يوجب تنفيذ تعهد بحسن نية، سيما وعقد الأطراف الغاية منه بالنازلة هو التستر على عدم تنفيذ الالتزام الملقى على مستأنف عليه وحرمانه أي الطاعن من استيفاء دينه بتطبيق مسطرة الحجز التنفيذي على العقار موضوع الصدقة، ولذلك فعقد الصدقة بني على باطل، وبالتالي فهو باطل ملتمسا انطلاقا من الفصول 265-311-314 من (ق ل ع)، إلغاء الحكم المطعون فيه وتصديا إبطال عقد الصدقة بتاريخ 2000/2/8 وأمر المحافظ بتضمين الحكم بالرسم العقاري، مدليا بنسخة منه.
وحيث أجاب الطرف المستأنف عليه بواسطة دفاعه موضحا بأن الحكم المستأنف صادف الصواب بارتكازه على الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري ملتمسا تأييده.
وحيث عقب الطاعن بواسطة نائبه مبرزا بأن التواطؤ بالملف واضح بين المستأنف عليهم ومن ثم فحسن النية بالنسبة إلى سناء لا يلتفت إليه..
وحيث إن الثابت بوثائق الملف أن الطاعن دائن للمستأنف عليه عبد الرحمان بمبلغ 168650 درهما كأصل يضاف إلى ذلك 12000 درهم تعويضا عن التماطل على النحو الموضح آنفا، وهي مديونية ليس بالملف ما يفيد التحلل منها فلذلك فلجوء المدين، والحال هذه وقبل مدة تقارب الشهر على إدانته من أجل إصدار شيكات بدون مؤونة إلى إبرام عقد صدقة لفائدة بنته سناء وبموجبه تصدق عليها بالملك…… ( رسم الصدقة بتاريخ 2000/2/8 لمن شأنه الإضرار بدائنه من خلال حرمانه من استيفاء دينه من أموال مدينه و التي تشكل ضمانا عاما له ( الفصل 1241 من ق ل ع) وبالتالي من حقه التصدي للعقد المذكور والمطالبة بإبطاله ولأن الالتزام لا يلزم إلا من هو طرف فيه ولا يضر ولا ينفع الغير إلا في الحالات المنصوص عليها قانونا ( الفصل 228 من ق ل ع) وعقد الصدقة وإن كان لازما لطرفيه فإن أثره امتد إلى الغير ( الدائن للمتصدق ) وأضر به وعليه يكون الحكم المستأنف في ما خلص إليه قد جانب الصواب، مما يتعين معه القول بإلغائه والحكم من جديد وفق المبين بالمنطوق بعده.

بقلم: مبارك السباغي    *
* موثق بالدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى