غرفة الجنايات الابتدائية تسابق الزمن للبت فيها وأخرى مازالت رهن التأجيل بعد العطلة القضائية، تشرع غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال باستئنافية البيضاء، غدا (الثلاثاء)، في مواصلة مناقشة ملفات الجرائم المالية الموضوعة في جدول القضايا المعروضة عليها على امتداد السنتين الماضيتين، وعلى رأسها الاختلاسات التي طالت جماعة الفقيه بن صالح والتي يتابع فيها محمد مبديع، وملف الناصيري والبعيوي، بالإضافة إلى ملفات أخرى لا تقل أهمية عنهما. إنجاز: كريمة مصلي في كل جلسة من جلسات المحاكمة التي تديرها غرفة الجنايات الابتدائية باستئنافية البيضاء، والتي يترأسها علي الطرشي، تطرح إشكالية مهمة في شأن العدد الهائل من قضايا الفساد المالي، الموكول إلى الغرفة النظر فيها إلى جانب قضايا جنائية أخرى. 28 جلسة منذ 2024 منذ يونيو من السنة الماضية انطلقت محاكمة محمد مبديع الوزير الأسبق، المتابع على خلفية الاختلالات المالية التي رصدت في تدبير جماعة الفقيه بن صالح التي كان على رأسها، ولم تتمكن هيأة المحكمة بغرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال باستئنافية البيضاء، من الاستماع إلى محمد مبديع الوزير الأسبق والرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح، المتابع على خلفية قضايا تتعلق بتبديد أموال عمومية، بسبب وعكة صحية مفاجئة ألمت به، في الجلسة الأخيرة قبل دخول الهيأة في عطلة. بالنظر إلى أن التهم المتابع بها مبديع محورية في الملف، وحاسمة في تأكيد أو نفي تبديد المال العام، وخلال انعقاد الجلسة طالب محام من هيأة دفاع المتابعين في الملف، باستدعاء شاهد يدعى الصحراوي، واصفا شهادته بالمحورية في مسار القضية، لأن تصريحاته السابقة أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية كانت سببا مباشرا في اعتقال أربعة متهمين ضمن الملف، وهو الملتمس الذي اكتفت الهيأة بالتأكيد على أنه سيتم النظر فيه في الوقت المناسب، مشيرة إلى أنها سبق أن تطرقت إليه في جلسات سابقة. واستمعت هيأة المحكمة في جلسة سابقة إلى ممثل مكتب دراسات متابع في الملف ووجهت، برئاسة القاضي علي الطرشي، عددا من التساؤلات إلى المتهم، استنادا إلى تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية ومحاضر التسليم المؤقت المرتبطة بالصفقة رقم 6/2006، ضمن مشاريع التأهيل الحضري بالمدينة. وانطلقت الجلسة بالشهادة التي قدمتها الكاتبة الإدارية بشركة "سنتال غوتيير"، التي أفادت عند الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بأن ملفات العروض داخل الشركة كانت تعد أحيانا بطرق تفتقر إلى المعايير القانونية، مشيرة إلى وجود تلاعب في قيمة الضمان المؤقت لبعض الصفقات، وهو ما نفاه المتهم بشكل قاطع، معتبرا أنها لا تملك الأهلية للاطلاع على تفاصيل دقيقة تخص الصفقات والمشاريع التي أشرف عليها مكتبه. صفقات تنتظر أجوبة مبديع من بين الصفقات التي أظهرت تبديدا للمال العام، وتنتظر من مبديع خلال الجلسات المقبلة تفسيرها للمحكمة، تلك التي همت اقتلاع أشجار، إذ كبدت المجلس الجماعي للمدينة مبالغ مالية كبيرة، قدرت بحوالي 2.433.600,00 درهم، وأبانت أن هذه العملية تم احتسابها من قبل شركة بمبلغ 6 آلاف درهم للشجرة، كما تم رفع عددها بشكل كبير عما كان محددا في دفتر الشروط الخاصة بجدول الأثمان، ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن أحد المقاولين كشف خلال البحث معه أنه تم تكليفه من قبل الشركة الحاصلة على الصفقة بالحفر ونقل الأتربة، ليقوم خلالها باقتلاع أشجار من نوع الحامض والكاليبتوس، محتسبا ذلك على الشركة نفسها، مؤكدا في الوقت نفسه أن عملية اقتلاع تلك الأشجار تمت بشكل عاد، بحكم أنها من الحجم المتوسط ولا تتطلب جهدا كبيرا، إلا أن المبلغ الذي جاء في كشوفات الحسابات، من قبل الشركة الحائزة للصفقة، باهظ ومبالغ فيه. شكاية وراء المتابعة تمت متابعة مبديع، الوزير الأسبق والقيادي في حزب الحركة الشعبية بتهم تبديد أموال عمومية، واستغلال النفوذ، والارتشاء، والتزوير في وثائق عرفية وتجارية ورسمية، بناء على شكاية قدمها الفرع الجهوي للجمعية المغربية لحماية المال العام جهة البيضاء ــ سطات ضده. وتحدثت الشكاية ذاتها عن تبديد أموال عمومية والاغتناء غير المشروع وخرق قانون الصفقات العمومية، وتلاعبات في الصفقات، والنفخ في قيمة الفواتير، وأداء مستحقات مقابل أشغال لم تنجز، وتوجيه بعض الصفقات نحو شركات ومكاتب دراسات معينة. شهود ملف "إسكوبار" من الملفات التي مازالت تحت يد غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال باستئنافية البيضاء، ملف "إسكوبار الصحراء"، الذي شهدت الجلسات الماضية فيه الاستماع إلى الشهود، العديد من المفاجآت والاتهامات المتبادلة، بين المتهمين والشاهدين في انتظار ما سيسفر عنه الاستماع إلى بقية الشهود والذين حددت هيأة المحكمة في الجلسة الماضية التي انعقدت نهاية يوليوز الماضي، لائحة جديدة لهم تضم لطيفة رأفت وإحضار رضوان الناصري وإعادة استدعاء عبد الإله أراكا وكريم عياد وزين العابدين فضيل العلمي وسامية موسى وجميلة بطيوي وسميرة العمراني والبتول البطيوي وعبد الصمد عاشوري وخليل متحد وفاطمة أريم وفاطمة افناني وإدريس سوهل، وهي الأسماء التي تحمل العديد من المفاجآت في تصريحاتها، وقد تساهم في كشف النقاب عن العديد من النقاط كما هو حال ما شهدته الجلسة الأخيرة من المحاكمة. وشهدت الجلسة مشاحنات حادة، إذ صرح الشاهد بأنه زار الفيلا موضوع المناقشة وكان يقطن بها وسام نادير اللبناني، برفقة الناصيري الذي خرج معه إلى الحديقة للحديث، مؤكدا أن اللقاء حدث مرتين فقط، في حين واجهه دفاع المتهم بتصريحات سابقة أدلى بها أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، مفادها أن اللقاء تكرر ثلاث مرات، وهو التناقض الذي شدد عليه المحامي المسكيني، متسائلا بإلحاح "هل كانت مرتين أم ثلاثا؟"، قبل أن يتدخل رئيس الجلسة المستشار علي الطرشي، ليوضح أن المحكمة تعتمد على ما يصرح به الشاهد أمامها بعد أدائه اليمين القانونية. وفي مستهل الجلسة، التمس دفاع المتهم سعيد الناصري من هيأة الحكم، عرض وثيقة سبق أن أدلى بها الشاهد عبد الواحد شوقي، على موكله قصد الاطلاع عليها، وهو ما رفضته النيابة العامة، غير أن المحكمة قررت قبول الطلب إلى جانب وثائق أخرى. وفي ما يتعلق بقضية تغليف درج فيلا كاليفورنيا بمادة الخشب، أكد الشاهد أن جميع التواريخ موجودة في الوثائق، التي تم تقديمها إلى المحكمة، وأنه لا يتذكر بالضبط تاريخ هذه العملية. وأشار إلى أن نوافذ الفيلا كانت مصنوعة من مادة الخشب، قبل أن تتم إعادة تهيئتها بمادة الألمنيوم، مضيفا أن سعيد الناصري قام بوضع الرخام خلال 2021 أو 2022، مؤكدا أنه لا يتذكر التاريخ بدقة، ومشددا على أن وضع الرخام لا علاقة له به، وواجهه الدفاع بوثيقة إدارية صادرة عن مؤسسة تابعة لوزارة الداخلية تؤكد أن تاريخ سكن الناصري بالفيلا هو 2020، في حين سبق أن شدد شوقي على أن الناصري كان يقطن بها في أواخر 2018. وتطرق الدفاع إلى "التصريح بالشرف" الذي أكد شوقي أن الناصري طلب منه توقيعه، والذي يفيد بأنه سلمه 800 مليون سنتيم لفائدة نادي الوداد في 2014، مؤكدا أن الوثيقة المقدمة لم تتضمن أي مبلغ، لكن هذا الأخير طلب منه شفويا التصريح بتحويل المبلغ، وهو ما رفضه الشاهد، ولم تتوقف أسئلة الدفاع بشأن الوثيقة عند تلك النقطة، بل انصرفت إلى المبلغ المصرح به أمام المحكمة وقاضي التحقيق، إذ أفاد الشاهد أمام قاضي التحقيق أن المبلغ هو 600 مليون، فيما تحدث أمام المحكمة عن 800 مليون سنتيم، ليرد الشاهد، "لم أسلمه 600 ولا 800 مليون، ورفضت التوقيع ببساطة". مفاهيم فانونية: استغلال النفوذ عمل المشرع على تنظيم جريمة استغلال النفوذ في الفرع الرابع من الباب الثالث من الجزء الأول من الكتاب الثالث، خاصة مقتضيات الفصل 250 من القانون الجنائي المغربي، الذي أفاد أنه يعد مرتكبا لجريمة استغلال النفوذ، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين وخمسين إلى خمسة آلاف درهم، من طلب أو قبل عرضا أو وعدا، أو طلب أو تسلم هبة أو هدية أو أي فائدة أخرى، من أجل تمكين شخص أو محاولة تمكينه، من الحصول على وسام أو نيشان أو رتبة شرفية أو مكافأة أو مركز أو وظيفة أو خدمة أو أية مزية أخرى تمنحها السلطة العمومية أو صفقة أو مشروع أو أي ربح، ناتج عن اتفاق يعقد مع السلطة العمومية أو مع إدارة موضوعة تحت إشرافها، وبصفة عامة الحصول على قرار لصالحه من تلك السلطة أو الإدارة، مستغلا بذلك نفوذه الحقيقي أو المفترض. وإذا كان الجاني قاضيا أو موظفا عاما أو متوليا مركزا نيابيا، فإن العقوبة ترفع إلى الضعف. مع ضرورة التأكيد على أن قيام جريمة استغلال النفوذ يشترط فيه ركن مادي، عبارة أولا عن فعل إجرامي يقوم به الجاني، إذ تقوم جريمة استغلال النفوذ على العناصر نفسها، التي يتحقق بها النشاط الإجرامي في جريمة الرشوة، والذي يتمثل ذلك في طلب أو قبول عرض أو وعد أو طلب أو تسلم هبة أو هدية أو أي فائدة أخرى، كيفما كان شكل الطلب أو القبول أو التسلم، وسواء تم ذلك بشكل صريح، أو ضمني، مباشرة أو عن طريق وسيط.