< د. خالد الحري وسط الضجيج والتفاهة بمختلف الأشكال والألوان التي تسود النقاش العمومي، إلا من رحم ربك، تضيع فرص الانتباه إلى القضايا الحيوية والإستراتيجية التي لها ارتباط بالحاضر والمستقبل، أي بالوطن على وجه التـحديد. فمنذ أيام، يشهد قطاع التعليم بشقيه (التربية الوطنية والتعليم العالي)، ما يشبه ثورة إصلاح وتنقيح وتجويد تضطلع فيها الحكومة ووزراؤها المعنيون، وأطرها وشركاؤهم في القطاعات الوزارية الأخرى بدور محوري، لإيجاد حلول واقعية قابلة للتطبيق لمعضلات رافقت المنظومة منذ عقود. أول أمس (الخميس)، صادق مجلس الحكومة على زيادة جديدة في تعويضات الساعات الإضافية التي ينجزها الأساتذة بمختلف أسلاك التعليم، في خطوة يمكن اعتبارها إشارة قوية نحو تحسين الوضعية المادية للأطر التربوية وتعزيز جاذبية مهنة التدريس، والقطع مع مخلفات الماضي، حيث كان الأستاذ الحلقة الأضعف في المنظومة. ويعتبر الإجراء، التي يأتي في إطار سلسلة غير منقطعة من الإصلاحات منذ تشكيل الحكومة، خطوة عملية في اتجاه دعم هيأة التعليم التي ظلت لسنوات تطالب بمراجعة نظام التعويضات، في أفق إرساء نظام مهني أكثر عدلا وإنصافا للأساتذة، باعتبارهم الدعامة الأساسية لكل إصلاح تربوي ناجح. هذه وحدها تكفي الحكومة التي رفعت قطاع التعليم إلى مصاف القضية الوطنية الثانية بعد الصحراء المغربية، وبذلت مجهودات استثنائية لإدخال الإصلاحات البيداغوجية والتربوية والتعليمية "الرائدة"، وما تلاها من تحقيق لمؤشرات جيدة، كل سنة، في سلم التنقيط الدولي. في المستوى نفسه من الاجتهاد القانوني، الذي يعتبر منظومة التعليم وحدة متناسقة ومتكاملة بين جميع القطاعات، يأتي إصلاح شروط ولوج سلك الماستر، تفاعلا مع المستجدات التي حملها دفتر الضوابط البيداغوجية الجديد الذي يشترط اعتماد الانتقاء عوضا عن منهجية الاختبارات الكتابية والشفوية المعمول بها منذ سنوات. ويكتمل هذا الإصلاح المهم، مع إصلاح إستراتيجي أكثر أهمية يقطع مع شوائب الماضي، وفوضى التعليم الجامعي، وسيادة منطق المحاباة لفئة من الفئات، في وقت يعيش فيه الأساتذة الجامعيون محنا مضاعفة، سيما على المستوى المادي. فلأول مرة في تاريخ المغرب، تمر حكومة إلى السرعة القصوى في إقرار إصلاح جذري بأثر مباشر على المنظومة، عبر تحديد مسار الأموال المتحصلة من الطلبة الموظفين عبر التوقيت المستمر وإقرار تعويضات للأساتذة المنخرطين في هذا الإجراء. ولم يعد الإجراء مجرد كلام، بل تحول إلى قرار مشترك بين وزير التعليم العالي والوزير المنتدب لدى وزارة المالية، إذ يستفيد أساتذة التعليم العالي من تعويضات مالية شهرية قد تصل إلى 20 ألف درهم، باحتساب ألفي درهم عن كل يوم عمل في الأقصى، في أوقات محددة، على ألا يتجاوز عدد أيام العمل 10. وسواء بالنسبة إلى إصلاح سلك الماستر، الذي رافقه عدد من الفضائح في السنوات الماضية، أو إقرار تعويضات مستحقة ومطلوبة للأساتذة متحصلة من مساهمات الطلبة الموظفين، فإن الصورة بالتعليم العالي تنحو أكثر إلى الوضوح والشفافية والالتزام والمسؤولية. مسؤولية ينبغي أن تعزز بشروط قانونية أكثر صرامة وضبطا وآليات مراقبة وتتبع آنية، حتى نتفادى نكسات الماضي.. وكثير من فضائحه.