كتاب للباحث ميمون أم العيد يغوص في أرشيف مقاومة آيت عطا في كتابه "أوراق بوگافر السرية" يغوص الباحث ميمون أم العيد في تفاصيل المعارك التي خاضتها القوات الفرنسية في الفترة ما بين 13 فبراير إلى 25 مارس 1933، من أجل التوغل في الجنوب الشرقي، والسيطرة على منطقة صاغرو وإخضاع قبائل آيت عطا. الكتاب يشكل غوصا في وثائق المخابرات العسكرية الفرنسية التي تتضمن تقارير يومية ومعلومات مفصلة عن المقاومين وهوياتهم وممتلكاتهم وكل ما يتعلق بأنشطتهم. في هذا الخاص تستعيد "الصباح" جوانب من هذا الكتاب الذي يستعيد بالوثائق جانبا من تاريخ مقاومة الوجود الاستعماري بالمغرب. إعداد: عزيز المجدوب قبل أن يغوص الباحث والإعلامي ميمون أم العيد في ثنايا الوثائق الاستعمارية التي نقلها من الفرنسية إلى العربية، توقف عند طبيعة هاته الوثائق، معتبرا أنها في الغالب لم "تُكتب بقلم علمي محايد" وإنما جاءت لتكمل "العمل العسكري الذي قام به الجنود في ساحات الوغى، وأحيانا تقوم بما عجزت عنه الآلة العسكرية عن فعله". واتسمت الكتابات والوثائق الاستعمارية، في جزء كبير منها حسب أم العيد، بالإملاءات والنظرة الاستعلائية، وبأنها كتابات ذات نفحة توجيهية، تنطلق في الغالب من فكرة أن المجتمعات المستعمَرة بدائية ومتخلفة غير متحضرة، وأن المستعمر الفرنسي جاء حاملا معه الحضارة والتمدن. وثائق سرية لم تكن للعموم توقف ميمون أم العيد عند نماذج من مذكرات الضباط ومتقاعدي الجيش، معتبرا أنها "تتغاضى عن الجانب المقرف في الاستعمار، ولا تذكر أبدا جرائم الإبادة الجماعية التي تعرضت لها شعوب شمال إفريقيا، بل إنها تزيّن القبح، وتصور تحويل الجثث إلى أشلاء بواسطة قذائف الطائرات والمدفعية، بأنه تهدئة ونشر للقيم الحضارية العظيمة". وما يميز الوثائق التي اشتغل عليها ميمون أم العيد في كتابه "أوراق بوگافر السرية" هو أنها وثائق لم تُكتب لأول مرة ليطلع عليها الجميع، رغم أنه في مراحل لاحقة رفعت عنها السرية وغدت في متناول كل باحث يزور الأرشيفات الفرنسية، العسكرية منها والديبلوماسية. وتحمل هاته الوثائق في أغلبها خاتم "سري" أو "خاص"، وحررها كاتبها، أو كتابها، اعتمادا على مخبرين من المنطقة، يتعاونون مع السلطات الفرنسية ويعرفون تركيبة القبائل وعقلية الأفراد كل المعرفة. وأحيانا يتم تدوين معطيات هذه الوثائق اعتمادا على تصريحات المستسلمين الجدد، من الرجال والنساء الذين نزلوا من جبل "بوگافر" معلنين خضوعهم للسلطات الفرنسية، بعد أن انتهت ذخيرتهم وموادهم الغذائية، ولم يبق من حل أمامهم سوى الموت جوعا وعطشا أو إعلان خضوعهم. كما أن هذه الوثائق والمستندات كتبت، حسب أم العيد، لأغراض عسكرية آنية، وهي تقارير استخباراتية تتضمن معلومات ميدانية جمعها ضباط المخابرات الفرنسية بصاغرو ونواحيها، بهدف نقل صورة واضحة المعالم لما يحدث ببوگافر، في النهار وآناء الليل، وإرسال ذلك كله إلى رؤسائهم وزملائهم في مكاتب الشؤون الأهلية ومختلف مكاتب القرار بمراكش والرباط وفرنسا. ويتم إرسال نسخة من كل تقرير، تم تحريره في المكاتب المتنقلة بصاغرو، إلى كل من الجنرال القائد الأعلى ببومالن، والجنرال قائد التجمع الغربي، والجنرال قائد التجمع الشرقي، والجنرال قائد منطقة الشؤون الأهلية مراكش، والعقيد قائد التجمع A، والعقيد قائد التجمع B، والقبطان قائد حركة الرك، والقبطان قائد حركة درعة، والعقيد قائد دائرة الشؤون الأهلية بورزازات، والملازم قائد المحاربين غير النظاميين ومختلف رؤساء مكاتب الشؤون الأهلية بألنيف وتازارين وتنغير، كي يطلعوا على أهم مستجدات الحرب. وتتضمن الوثائق التي ترجمها ميمون أم العيد تقارير يومية عن أماكن وتموقع المجاهدين الذين يقاومون الجيش الفرنسي في شعاب صاغرو، والذين تسميهم هذه التقارير "المنشقين" والمتمردين"، ومعلومات عن هوياتهم، وممتلكاتهم، وعدد أغنامهم ونعاجهم، وأسلحتهم، وماذا يأكلون ومن أين يشربون؟ وحالتهم النفسية ومعنوياتهم، وعدد قتلاهم والجرحى ومعطوبي الحرب. الجبل... الملاذ الأخير انطلقت معركة بوگافر في مطلع فبراير 1933، بعد أن توافدت الأسر من كل فج عميق ملبية نداء مناد طاف في الأسواق والمداشر، بأن يهبّوا لمقاتلة "النصارى" وطردهم من البلاد، وأن من يفعل ذلك فهو في عداد "المجاهدين"، ومن يتقاعس فهو محسوب مع المستعمر وخدامه. فاستجابت الأسر محملة دوابها وجمالها وكل ممتلكاتها مستجيبـــــــة لنداء الجبل، الذي صار الملاذ الأخير لكل الرافضين للوجود الاستعماري. وحسب الوثائق الفرنسية فلم يشرك آيت عطا وحدهم في معركة "بوگافر"، بل إن آيت مرغاد بصموا أيضا المعركة، كما شارك فيها "الشرفا" إما بالقتال المباشر أو بتحريض المجاهدين وزرع الحماس فيهم، وظلت وثائق الفرنسيين تنعت هؤلاء "الشرفا" بالدجالين والمحرضين، كما شارك "إقبليين" و"إملوان" من ذوي البشرة السمراء، وقبائل أخرى غير عطاوية آمنت بضرورة مجابهة المستعمر. وأشار أم العيد، استنادا إلى الوثائق، أن المغاربة الرافضين للوجود الاستعماري ذاقوا أشد أنواع الحصار: قلة النوم، وقذائف من السماء ومن الأرض، والجوع والمياه الملوثة بجثث الحيوانات ودماء الدواب المجروحة بشظايا قذائف المدفعية. كما رصد الكتاب رائحة الموت والبارود، ومشاهد الجثث المتعفنة لرجال لم يعد للأحياء متسع من الوقت لدفنهم كما يليق بمقاومين استرخصوا حياتهم دفاعا عن منطقة كانوا يرعون فيها، ويريدون أن يعيشوا فيها دون قيد أو شرط. ولم تضع الحرب أوزارها إلا بعد الاتفاق حول هدنة تلزم الطرفين ابتداء من 26 مارس 1933، ليعود من بقي من مجاهدي بوكافر إلى دواره الأصلي، إن كان من المستقرين، أو إلى مناطق انتجاعه إن كان من الرحّل، يبحث عن مرعى لما تبقى من ماشية لم تهلك بسبب العطش، ولم تجنّ بفعل أزيز الطائرات وصوت المدفعية. أدوات فرنسا جنّدت فرنسا لإخضاع بوگافر، إلى جانب جنودها، مجموعة من المقاتلين غير النظاميين الذين تسميهم الأنصار les partisans، وهم مغاربة ومن أبناء المنطقة، فيهم من أرغِم ليقاتل أبناء جلدته تحت راية فرنسا، فيحاول أن يجنّب أشقاءه الطلقات، وفيهم من شجعته عداوة قديمة بينه وبين مجاهدي بوگافر "ليبلي بلاء حسنا"، ولا تأخذه رأفة في استهداف رجال بوگافر وقتلهم. وتوقف الباحث ميمون أم العيد عند التركيبة العسكرية الفرنسية التي استهدفت "تطهير صاغرو"، بحسب التعبير المستعمل في وثائق الأرشيف الفرنسي، والتي جاءت مقسمة كالتالي: < التجمع الغربي: يقوده الجنرال كاترو، يضم "حرْكات" يقودها جميعا العقيد شاردون، وحركة "تاغصا" بقيادة القبطان باريو، تضم 500 مقاتل مغربي من بومالن، و700 مقاتل مغربي من قلعة مكونة والفرقتين 14 من "الكوم" بقيادة الملازم روش، و39 بقيادة الملازم دوبييسيس، وحركة "تين إوركان" بقيادة القبطان لاكروا، تضم 600 مقاتل مغربي من ورزازات، و400 مقاتل من إمغران، والفرقة 32 من "الكوم"، إضافة إلى حركة احتياطية تضم 300 مقاتل من كلاوة. < التجمع الشرقي تحت قيادة الجنرال جيرو، يتشكل من حركة درعة، بقيادة القبطان جورج سبيلمان، وتضم 800 مقاتل من المغاربة أتباع فرنسا بدرعة، و200 مقاتل من تازارين، وحركة الرك لقيادة القبطان بولان، تضم 600 مقاتل مغربي من أنصار الفرنسيين المتحدرين من وادي إميضر وسافلة وتودغا، و200 مقاتل من أمغران والفرقتين 10 و49 من الكوم. رموز وأعلام خصص ميمون أم العيد ملحقا، غير مترجم عن الأرشيف الفرنسي، ضم نماذج من سير أعلام منطقة بوگافر من مقاومين وقياد وأعيان، جمع معطيات عنهم، من خلال عمل ميداني زار فيه العديد من المداشر والأماكن تابعة لأربعة أقاليم وهي زاكورة وورزازات وتنغير والراشيدية، من أجل مقابلة الشيوخ والمسنين ممن ظلوا يحتفظون ببعض تفاصيل ما جرى من أحداث وشخوص. وضمت قائمة الأعلام أسماء من قبيل اسعيد نايت فل، وحمو ولحسن بن مورغي وعسو أوبسلام وباسو أوميمون بنسعيد الغمام وعدجو موح نايت خويا علي وعدي وخيي وحماد أوعلي أعطوش، ومحمد أوباني وموحى ولحسن أوبوعلي ومبارك أولفضايلومحداش ولد الحاج فاسكا وبايشو أزواوي وحدا وعلي أومنزو وحساين أوعدي وموحى أوحمو معرير وعلي وحدي أوتصرحانت.