بقلم: عبد السلام الصديقي * في المغرب، يعرف الشباب عموما بالفئة العمرية من 15 إلى عاما 24، رغم أن التعريفات الأوسع قد تشمل الأفراد حتى 35 عاما أو أكثر، حسب السياق. وتتميز هذه الفترة بانتقال من الطفولة إلى سن الرشد، مع وصول تدريجي إلى الاستقلالية والاندماج في المجتمع. إن الشباب المغربي متجذر بعمق في سياق ثقافي غني، مع تقاليد أمازيغية وإسلامية وعربية، تؤثر على الأدوار الاجتماعية والتوقعات الأسرية والممارسات الدينية. وتختلف وضعيتها الحالية، حسب الأصل الاجتماعي ومكان الإقامة وفقا للقوانين العامة لإعادة الإنتاج الاجتماعي، بمعنى عالم الاجتماع بورديو. وبالتالي، فإن الشباب المغربي لا يشكل مجموعة متجانسة، ويمتاز بطابعه المتعدد و»بروفايلاته» الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتنوعة. كما أن كل جيل من الشباب يمتلك خصائص واحتياجات خاصة به. باختصار، فإن تعريف الشباب في المغرب معقد ومتعدد الأبعاد، ويشمل جوانب زمنية واجتماعية وثقافية واقتصادية، وغالبا ما ترتبط بفترة انتقالية نحو سن الرشد، يتميز باندماج تدريجي في المجتمع وبحث عن الاستقلالية. ويشكل اعتماد دستور 2011 فرصة كبيرة لمأسسة الإجراءات والمبادرات لصالح الشباب، فالنص الدستوري يقدم المبادئ والوسائل اللازمة لتحقيق قفزة نوعية في تعزيز تطور الشباب في المجتمع. وتنص المادة 33 من القانون الأسمىً على أنه يتعين على السلطات العامة اتخاذ جميع التدابير المناسبة لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية أولا، توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، ثانياً، مساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشطة والجمعوية، وتقديم المساعدة لأولئك الذين يواجهون صعوبات في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني، وأخيرا، تسهيل وصول الشباب إلى الثقافة والعلم والتكنولوجيا والفن والرياضة والترفيه، مع توفير الظروف الملائمة للإفراج الكامل عن إمكاناتهم الإبداعية والمبتكرة في جميع هذه المجالات في الواقع، ما نزال بعيدين عن تحقيق هذه الأهداف، أي الوصول إلى عمل لائق، وتعليم عالي الجودة، ورعاية صحية، إذ يبقى صعبا، بل مستحيلا بالنسبة إلى جزء كبير من شباب بلدنا. ولا زال يواجه عقبات كبيرة في مجال الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، ويستمر في امتلاك آفاق محدودة للتأثير على توجيه السياسات العامة، ما يمنعه من أن يتحول إلى قوة دافعة رئيسية لتنمية البلاد. وبصرف النظر عن التمثيل المحدود للشباب المغاربة والمغربيات في اتخاذ القرار، فإن ثقتهم في المؤسسات العامة تظل أيضا محدودة: فقط 17% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 عاما و29 يثقون في الحكومة، و13% في البرلمان، و18% في الأحزاب السياسية، ولا يتجاوز عدد الأعضاء في هذه الأخيرة 1%. ولأنها قضية عابرة للقطاعات في العمل العام، تواجه السياسة الوطنية لصالح الشباب غياب مقاربة شاملة ومندمجة، ما يجعل تحقيق الأهداف المرجوة صعبا. إنه يؤدي، إلى حد كبير، إلى عدم عكس الاهتمامات الحقيقية للشباب، ويترتب على ذلك شعور كبير بعدم الثقة من قبل المعنيين. ويمثل الاستثمار في الشباب ووضع سياسات عامة له محورا أساسيا لأي سياسة تنموية، مع التركيز على الأهمية الحقيقية للنظر إليهم فاعلين في الديناميات الحالية للتغيير ومحورا محتملا في عملية توفير الثروة. إن فئة كبيرة من الشباب منشغلة بعواقب استبعادها من الحياة الاقتصادية والمدنية. فالهدر المدرسي، والبطالة، والعمل الناقص، وغياب الهياكل الداعمة لتسهيل المشاركة في الحياة الاجتماعية، كلها عوامل تساهم في العزلة والشعور بالإحباط، ما يعرضهم لأوساط الانحراف والجريمة، والتطرف، بالإضافة إلى رغبتهم المتزايدة في تجريب حظهم بحثا عن فرص جديدة في الخارج، حيث يفقد البعض حياتهم في عرض البحر. إن السياق الوطني الحالي يندرج في مرحلة تتزايد فيها المطالب والتظاهرات الاجتماعية، التي تحشد قطاعات واسعة من الشباب، هؤلاء يلاحظون عدم قدرة النموذج التنموي القائم على تلبية احتياجاتهم وطموحاتهم. وحتى وإن كانت الوضعية السياسية الوطنية قد تطورت بشكل كبير منذ 2011، فإن تطلعات الشباب المغربي إلى مستقبل أفضل ما تزال قائمة. وتسلط كل هذه القيود الضوء على التحديات التي يجب مواجهتها وضرورة اتخاذ إجراءات أكثر منهجية واستراتيجية ومتكاملة لصالح تنمية الشباب، مع التركيز على احتياجات الأكثر حرمانا منهم. وتبقى توصيات تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي نشر في 2018 بعنوان «مبادرة وطنية جديدة مندمجة من أجل الشباب المغربي»، بشكل عام صالحة. ويتعلق الأمر بتقديم، على المدى الطويل، إجابات عن التطلعات المشروعة للشباب لحياة كريمة، وعدالة اجتماعية، وإنصاف، ومشاركة فعالة في دينامية التنمية. إن مجال انشغال الشباب قد تحول تماما: فالشباب المغاربة، على غرار شباب العالم، يعيشون، ويفكرون، ويحلمون، ويعملون، ويتسلون ويحتجون بشكل مختلف. فظهور تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الجديدة يحول قطاعات كاملة من الاقتصاد، ويؤثر أيضا على الحياة اليومية، خاصة حياة الشباب، الذين يتأقلمون بسهولة مع هذه الأنماط الجديدة من التواصل والاستهلاك التي يجدها كبار السن صعبة الاندماج. إن الهدف العام هو ضمان تنمية شاملة للشباب، دليلا لوضع وتنفيذ جميع الإجراءات الموجهة نحو الشباب، لإعطاء دفعة جديدة للعمل السياسي، تجاه عالم الشباب، وتصور سياسة عامة ملائمة، وتعزيز وتنسيق برامج العمل المحددة بشكل متفق عليه والمندرجة في نهج تفاعلي للتنفيذ. إن مشاركة الشباب هي مفتاح لبناء مجتمع متضامن، تمر هذه المساهمة عبر اكتساب ثقافة الالتزام والمشاركة، منذ سن مبكرة. وفي سياق التربية المدنية والمواطنة، يعد التطوع والعمل التطوعي وبشكل عام العمل الجمعوي، أحد أشكال الالتزام المدني الأكثر حيوية التي تتيح أيضًا الوعي بالمشاركة المدنية. كما أن علاقة قوية بين الشباب والمؤسسات العمومية ضرورية، أيضا، لتعبئة دعمهم للإصلاحات الهيكلية، التي تقوم بها الحكومة، والتي قد تتطلب أحيانا من المواطنين، تقديم تضحيات على المدى القصير، مقابل فوائد طويلة الأجل ستكون أقل وضوحا. فلا يمكن تحقيق اندماج الشباب دون عدالة وتكافؤ الفرص بين الشابات والشباب، دون تمييز في الجنس أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو مكان الإقامة. في الحاجة إلى الحكامة هناك بعد آخر يتعلق بالحكامة على المستويات الوطنية والمجالية، والذي يتطلب تناسق جميع الإجراءات العامة لصالح الشباب. وفي هذا السياق، يجب أن تكون الإجراءات الحكومية متكاملة، آخذة بعين الاعتبار الوضعية الحالية للتنمية، وأدوار الفاعلين، والقيود، والأهداف المرسومة، وضرورة تنزيل السياسة العمومية لصالح الشباب ترابيا. وتشير المجالات المركزية للعمل إلى أبعاد التعليم والتكوين، والقابلية للتشغيل، والولوج إلى الصحة والحماية الاجتماعية، لأنها تشكل عناصر أساسية هيكلية في حياة الشباب، ويجب إدراجها في إطار مكافحة الفقر والهشاشة. لذا، ينبغي أن تكون في صميم آليات السياسة المخصصة لهم. وفي ما يتعلق بـ «NEET»، أي "شباب لا في العمل، ولا في الدراسة، ولا في التدريب"، فيجب أن يشكلوا مؤشرا مستهدفا لسياسات الشباب، التي ينبغي على المغرب متابعتها عن كثب. كما وجب تشجيع ودعم الإبداع الثقافي والفني للشباب، وإبداعهم وذكائهم الرياضي، لأن ثلاثي الثقافة، والترفيه والرياضة، يشكل محور اهتمام الشباب الرئيسي، والبيئة الأساسية للاختلاط الاجتماعي، التي ما تزال نشطة، والتي يجب دعمها بإرادة سياسية حقيقية، وعرض جديد من الإشراف والتأطير. كما يجب أن يمثل محورا رئيسيا في أي سياسة عمومية تجاه الشباب، تتضمن في البداية الكشف المبكر للمواهب، وتشجيع الإبداع الثقافي والفني للشباب من خلال المسرح والفنون التشكيلية والرقص والكتابة والسينما والموسيقى، ما يفرض دينامية جديدة، مصحوبة بإنشاء وتطوير منصات جديدة للتعبير والإبداع السمعي البصري والرقمي. * أستاذ باحث في الاقتصاد ووزير سابق