باعة يغرقون الأسواق بمنتجات مزيفة تباع بأثمان خيالية يعيش قطاع إنتاج العسل وضعا حرجا لا تخطئه العين، بعدما اشتدت عليه الضربات من كل حدب وصوب، فالجفاف المستمر، والتقلبات المناخية المتكررة، وتراجع مياه الري، كلها عوامل أنهكت المراعي الطبيعية التي تشكل المتنفس الأول للنحل ومصدر إنتاجه. ولم تتوقف المعاناة عند حدود الطبيعة، بل امتدت إلى السوق، حيث تفشت ظاهرة غش العسل بشكل لافت، وتسلل المستورد إلى رفوف المحلات، ليكتسح السوق الوطنية ويهدد بقاء المنتوج المحلي. هذا الغزو التجاري، مقرونا بخلط العسل المغربي الفاخر بمنتوجات مجهولة المصدر، شكل ضربة موجعة للنحال المغربي، وساهم في تدليس واضح على المستهلك، الذي يجهل في كثير من الأحيان ما يصله إلى المائدة. إنجاز: عبد الجليل شاهي (أكادير) تضرب قطاع إنتاج العسل موجة غير مسبوقة من الأزمات، في مقدمتها تفشي الغش فيه، إذ تحولت الظاهرة إلى كابوس يؤرق النحالين ويهدد استمراريتهم المهنية والمعيشية. ومع تنامي حجم الأضرار، بات العديد من المهنيين يفكرون، بمرارة، في التخلي عن هذه الحرفة التي لم تعد تضمن لهم العيش الكريم. وقال عبد الله المسعودي، نحال بجهة سوس ماسة، إن "الغزو التجاري للمنتجات المغشوشة" دفع بعدد من النحالين الحقيقيين إلى حافة الإفلاس، موضحا أن النحال يقضي مواسم السنة في الترحال وراء الإزهار، ويشتغل في ظروف مناخية قاسية، وسط الحرارة والجفاف وندرة المراعي، ورغم ذلك يجد نفسه في مواجهة منافسة غير شريفة مع من سماهم "الباعة الوهميين"، الذين يغرقون السوق بمنتجات مغشوشة بأسعار لا تغطي حتى كلفة الإنتاج. وأشار المسعودي، إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت مرتعا لباعة يقدمون "عروضا وهمية"، تشتمل على خمسة كيلوغرامات من ما يسمى "العسل الطبيعي" مرفقة بزيت الأركان وزعفران، مقابل أقل من 500 درهم، في وقت يتجاوز فيه سعر لتر واحد من زيت "الأركان" 550 درهما، وتساءل مستنكرا، "هل يعقل أن يحصل المستهلك على كل هذه المواد بثمن لا يساوي حتى قيمة مكون واحد منها؟". وانتقد المسعودي ما سماه "القبول الأعمى" لبعض المستهلكين، الذين ينساقون وراء العروض المغرية، دون مساءلة الجودة أو المصدر، وهو ما يشجع الغشاشين على مواصلة أنشطتهم، ويضع النحالين المهنيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما خفض الأسعار إلى مستويات غير مربحة، أو مغادرة السوق. "السنيدة" عوض رحيق الأزهار رغم ما تزخر به الأسواق المغربية من خيرات فلاحية متنوعة، يظل العسل الطبيعي درة التاج وأحد أرقى المنتوجات التي ارتبطت بثقافة المغاربة الغذائية والدوائية، ويعد العسل المحلي من بين الأجود عالميا، بفضل التنوع النباتي الفريد الذي تنعم به المملكة، ما يجعله ثروة وطنية ذات قيمة عالية. غير أن هذه الصورة المشرقة سرعان ما تبهت أمام مد الغش والتزوير الذي اجتاح السوق، حيث اختلط العسل الأصيل بالمزيف، وصار المستهلك ضحية منتوجات مشكوك في جودتها ومصدرها. وهي ظاهرة تنذر بضرب ثقة المواطن وتقويض سمعة المنتوج المغربي في الداخل والخارج، وتستدعي تدخلا صارما لحماية هذا التراث الطبيعي من عبث المتلاعبين. في جولة ميدانية داخل أحد المعارض بأكادير، كشف لنا بائع من قدامى مربي النحل عن تفاصيل دقيقة تبرز الفارق بين العسل الحر الأصيل، الذي يتغذى النحل فيه على رحيق الأزهار والأعشاب الطبيعية، وبين العسل المزور الذي يتشكل من خلطات صناعية، أو نتيجة تغذية النحل بالعلف المعروف محليا بـ"السنيدة"، ما يحول دون أصالة العسل وقيمته الغذائية. يشرح البائع، الذي عايش قطاع تربية النحل لعقود، أن "العسل الحر له أصناف كثيرة منها عسل الزعتر، والدغموس، والكاليبتوس، والخروب، والسدرة، وعسل الشوك، والخزامى والليمون، لكن للأسف، ليس كل ما يباع عسلا حرا." وعن علامات العسل الطبيعي، يوضح أن "التجربة البسيطة التي يمكن لكل مستهلك اعتمادها هي اختبار التجمد، فعسل الزعتر الحر، مثلا، إذا وضع في الثلاجة، يتجمد و"يتكرمش"، وهذا دليل على نقاوته وجودته، أما العسل الناتج من تغذية النحل بالعلف، فلا يتغير حاله عند البرودة، وهذا مؤشر على افتقاره للأصالة." ويضيف: "هناك من يكتفي بإعطاء النحل "السنيدة" فقط، دون السماح له بالخروج وجمع الرحيق من الطبيعة، ما ينتج عنه عسل يبدو طبيعيا لكنه في الأصل علف وسكر، وليس رحيق أزهار طبيعية." أما من حيث الأسعار، فيشير البائع إلى تفاوت صارخ بين العسل الحقيقي والمغشوش، قائلا: "عسل الزعتر الحر يصل سعره إلى 600 درهم للكيلوغرام، والدغموس يتراوح بين 300 درهم و400، في حين أن العسل الناتج من الأعلاف قد لا يتجاوز 60 درهما أو 70". وينبه إلى خطورة الانجراف وراء الأسعار المنخفضة قائلا: "من يعرض عليك عسل الدغموس بسعر 200 درهم، فاعلم أنه ليس عسلا حرا، ولا نتاج الجهد والجودة، فإنتاج العسل الحر يتطلب مجهودا مضنيا ونفقات كبيرة، من العناية بالنحل إلى توفير تغذية طبيعية وصحية له." تقلبات مناخية تعيش جهة سوس ماسة، وضمنها المرتفعات الجبلية لإداوتنان، على وقع أزمة خانقة أثرت بشكل جلي على قطاع تربية النحل وإنتاج العسل، بفعل استمرار الجفاف للعام الرابع على التوالي، وتكرار الاضطرابات المناخية التي تزامنت مع فترات الإزهار الحرجة، مما أدى إلى تقلص الإنتاج بشكل لافت مقارنة بالمواسم الفلاحية السابقة، التي تميزت بتنوع الغطاء النباتي ووفرة المراعي الغنية بالرحيق. معلومات استقتها "الصباح" من مهنيين بالقطاع، أن حجم الإنتاج خلال هذا الموسم لم يتجاوز مستوى "المتوسط إلى الضعيف" في معظم مناطق سوس، خاصة في الجماعات الجبلية التي كانت إلى وقت قريب من بين المزودين الرئيسيين بعسل "الدغموس"، المعروف بجودته العالية وخصائصه العلاجية. وينسب المهنيون هذا التراجع إلى الخصاص الحاد في التساقطات المطرية، ما أدى إلى إضعاف الإزهار الطبيعي وتقليص نسبة الرحيق، إلى جانب التراجع المقلق في مياه الري، الذي أصاب الضيعات التي تعتمد على النباتات العطرية والطبية في مقتل، بعدما كانت تشكل مصدرا بديلا لتغذية النحل. وفي وقت سجلت فيه منطقة الغرب موسما تراوح بين الجيد والمتوسط بفضل تساقطات ظرفية، ظلت سوس ماسة وإداوتنان في صدارة المناطق المتضررة، في حين كانت الخسائر أكثر فداحة في كل من بركان وبني ملال، حيث صادفت مرحلة الإزهار تقلبات جوية مفاجئة، وأزمة حادة في مياه السقي، ما أدى إلى تدهور جودة العسل وتراجع الكمية المنتجة إلى مستويات مقلقة. الترحال الصيفي مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل لافت هذا الصيف، لجأ مربو النحل بالمغرب إلى اعتماد إستراتيجية الترحال الرعوي الصيفي، عبر نقل خلايا النحل إلى المراعي الجبلية، بحثا عن ظروف مناخية ملائمة تقي النحل من الإجهاد الحراري، وتوفر له موارد غذائية غنية تعزز من نشاطه وإنتاجيته. هذا الترحال الموسمي لم يعد مجرد خيار ظرفي، بل تحول إلى نمط ضروري ضمن الممارسة اليومية للنحالين، إذ أصبحت المرتفعات والمناطق الغابوية الملاذ المفضل في فصل الصيف، لما تتميز به من برودة نسبية وتنوع نباتي غني بالرحيق، ويؤكد المهنيون أن الأغلبية الساحقة من خلايا النحل نقلت خلال الأسابيع الأخيرة إلى سفوح الجبال، حيث تقل درجات الحرارة وتكثر النباتات المزهرة. وتوصي منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) باتباع هذا النهج الرعوي، معتبرة إياه مفتاحا للحفاظ على صحة النحل وتحسين جودة الإنتاج، وشددت المنظمة على ضرورة مراعاة توقيت الإزهار في اختيار محطات الترحال، مع الحرص على أن تكون مواقع التوطين قريبة من مصادر المياه وغنية بالنباتات المزهرة، بما يضمن التوازن البيئي والغذائي داخل الخلية. وفي السياق ذاته، دعت المنظمة إلى اعتماد ما تسميه "التنقل التكيفي"، أي الانتقال المرن والمخطط وفق تغيرات المناخ وتوافر الغذاء، باستخدام خلايا متنقلة تناسب طبيعة المناطق الوعرة، خاصة في الأوساط القروية وشبه المدارية. ولا يقتصر هدف هذا الترحال على زيادة إنتاج العسل فحسب، بل يتجاوزه إلى تحسين جودته، لاسيما عند اعتماد مراع طبية أو نباتات جبلية، وهو ما ينعكس إيجابا على القيمة الغذائية والتجارية للعسل، ويساهم في دعم الاقتصاد المحلي وصون التنوع البيولوجي الذي تزخر به الجبال المغربية. مهرجان أقصري تحولت جماعة "أقصري" بعمالة أكادير إداوتنان، أيام 17 و18 و19 يوليوز الماضي، إلى محج للمنتجين والزوار، لمناسبة النسخة الثانية من مهرجان العسل والمنتوجات المجالية، المنظم تحت شعار: "اكتشاف أسرار العسل وتثمين المنتوج المحلي"، في تظاهرة تجمع بين الاقتصادي والسياحي، وتعيد للعسل الطبيعي مكانته رمزا للتراث الغابوي المغربي، ومصدرا للعيش والإبداع لدى الفاعلين المحليين. وتوصف دورة هذه السنة بـ"الناجحة بامتياز"، بعدما استقطبت أزيد من 60 تعاونية من مختلف جهات المملكة، حجزت لـ70 في المائة منها أروقة العرض بفضل تخصصها في إنتاج وتثمين العسل، وهو ما يعكس الأهمية الوطنية لمنطقة أقصري التي تعد من أبرز الأقطاب المنتجة للعسل على الصعيد الوطني، بفضل تنوع غطائها النباتي وثراء مناخها الجبلي. ومن داخل فضاءات المهرجان، تعانقت رائحة الزيوت العطرية وعبق الأعشاب الطبية مع مذاقات العسل الطبيعي، حيث تسابقت التعاونيات لعرض أصناف متعددة من العسل، من أبرزها: الدغموس والزعتر، والخروب، والليمون، والكاليبتوس والسدر، ما يعكس غنى الموروث البيئي للمنطقة، وقدرة النحالين على تحويله إلى منتوجات قابلة للتسويق والتصدير. وفي تصريحات لـ"الصباح"، أكد عدد من العارضين أن هذه التظاهرة تشكل منصة حقيقية للتسويق والتعريف بالمنتجات المحلية، وفضاء لتبادل التجارب والخبرات بين الفاعلين، ما يعزز من حضور العسل المغربي داخل الأسواق الوطنية والدولية، كما أشاروا إلى أن الطلب على العسل الحر في تزايد، خاصة حينما يقرن بالجودة والهوية الترابية. ولم يقتصر المهرجان على الجانب التجاري، بل اتسع ليكتسب بعدا سياحيا وتنمويا، عبر فتح المجال أمام الوحدات السياحية المحلية لتقديم عروضها وخدماتها، من خلال جناح خاص يروج للسياحة الجبلية، في مبادرة تراهن على دمج الاقتصاد الاجتماعي بالسياحة الإيكولوجية، وتعزيز جاذبية أقصري وجهة قروية نابضة بالحياة. ويراهن المنظمون على أن يشكل هذا المهرجان لبنة جديدة في مسار تثمين المنتوج المحلي ودعم الاقتصاد التضامني، بما يعيد الاعتبار لحرفة النحالة، ويرسخ موقع "أقصري" قطبا وطنيا في مجال إنتاج العسل ومشتقاته، خصوصا في ظل الإقبال المتزايد على المنتوجات الطبيعية والصحية. وبين خيوط الشهد ورحيق الزهور، يستمر المهرجان في كتابة فصول من النجاح، تجمع بين روح الانتماء للأرض، وذكاء الاستثمار في خيراتها.