أعقاب السجائر وسلوكات فردية وراء تفاقم حرائق متكررة تجد زاكورة نفسها مجددا في مرمى نيران حرائق مهولة، أتت خلال الأيام الأخيرة على مساحات شاسعة من أشجار النخيل والمحاصيل الزراعية، مخلفة خسائر مادية فادحة، وضاربة في عمق مورد عيش آلاف الأسر القروية، وأثرت هذه الحرائق بشكل بالغ في النفوس، خاصة في صفوف الفلاحين الصغار الذين يراهنون على ما تجود به هذه الواحات من تمور وزراعات تقليدية، مصدر رزق رئيسيا، في منطقة تعاني أصلا بسبب الهشاشة وقساوة المناخ. تعيش واحات زاكورة، هذه الأيام، على وقع سلسلة جديدة من الحرائق المهولة، التي لم تترك خلفها سوى الرماد والخراب، في منطقة أنهكها الجفاف وأتعبها الإهمال، آخر حلقات هذا المشهد المؤلم، اندلاع حريقين متزامنين بكل من دوار تكيت بولمان، التابع لجماعة ترناتة، ودوار بومحشاد بجماعة تنزولين، في ظرف زمني وجغرافي متقارب، ما خلف خسائر مادية جسيمة في الغطاء النباتي، خاصة في صفوف أشجار النخيل المثمرة. الاحتراق الصامت أتى الحريق المسجل بدوار تكيت بولمان على أكثر من 200 نخلة، إلى جانب محصول التمور وبعض الأشجار الأخرى، في حريق هو الثالث من نوعه خلال شهر واحد فقط، ما أثار شكوكا كبيرة في أوساط السكان، ودفع السلطات إلى فتح تحقيق عاجل لتحديد أسبابه. أما بدوار بومحشاد، فقد شبت النيران للمرة الخامسة في أقل من سنة، هذه المرة طالت أكثر من 150 نخلة، حسب حصيلة أولية، فضلا عن أضرار لحقت بعدد من الأشجار المثمرة الأخرى، ما يزيد من معاناة السكان الذين يجدون أنفسهم كل مرة أمام الكارثة نفسها بلا حماية كافية. وبات من الواضح أن هذه الحرائق لم تعد حوادث موسمية معزولة، بل أصبحت نمطا مقلقا يعكس ضعف البنيات الوقائية، وتخلف آليات التدخل، وغياب رؤية وطنية مستدامة لحماية هذا التراث البيئي الفريد. فواحات زاكورة ليست فقط فضاءات خضراء، بل أنظمة بيئية دقيقة ومجال حيوي للاقتصاد المحلي، وكل نخلة تفقد بالنار، هي مورد رزق يحترق، وعائلة تدفع أكثر نحو الهشاشة. تهديد الغطاء النباتي أكد محمد لمين الأبيض، فاعل جمعوي وناشط بيئي بإقليم زاكورة، أن المنطقة شهدت أخيرا تساقطات مطرية قوية وصواعق رعدية، تسببت في اندلاع حرائق بعدد من الواحات، قبل أن تتحول هذه الحرائق إلى مشهد يومي يتكرر بشكل مقلق، ما يستدعي تدخلا عاجلا من مختلف المتدخلين في القطاع الفلاحي. وأوضح الأبيض، أن الوضع الحالي يفرض وضع خطة استباقية لحماية الواحات التقليدية من الاندثار، تقوم على إنشاء صهاريج مائية، وحفر أثقاب من أجل الطوارئ، وفتح مسالك داخل الواحات لتسهيل تدخل فرق الإطفاء، إضافة إلى تشييد أبراج مراقبة لرصد الحرائق في بداياتها، مشددا على أن التأخر في تنفيذ هذه الإجراءات يهدد ما تبقى من الغطاء النباتي، ويقرب الواحات أكثر من خطر الزوال. ودعا الأبيض إلى إصدار قرارات عاملية تمنع حرق بقايا النخيل والأعشاب داخل الواحات، باعتباره أحد أبرز الأسباب وراء اندلاع النيران، إلى جانب تفعيل المراقبة وتحرير محاضر زجرية في حق المخالفين. كما طالب السلطات الجهوية بتفعيل برامج تشبيب الواحات، من خلال إزالة النخيل الميت وغرس فسائل جديدة سريعة النمو، والعمل على دعم الفلاحين الصغار الذين يعانون في صمت، بدل تركيز الدعم العمومي على الضيعات الكبرى التي لا يستفيد منها سوى عدد محدود من المستثمرين. وأشار الأبيض، إلى أن تكرار هذه الحرائق بالنمط نفسه وفي الفترة نفسها من السنة، يكشف عن خلل هيكلي في الوقاية والتدخل، ويستدعي إطلاق إستراتيجية وطنية شاملة ومستدامة، تراعي خصوصية هذه المناطق وتضمن تعويض المتضررين وإنقاذ اقتصاد محلي يترنح تحت نيران الإهمال. وسط هذا الوضع، تتزايد دعوات المجتمع المدني والمنتخبين لإطلاق برامج استعجالية للوقاية من حرائق الواحات، وتطوير البنيات التحتية الخاصة بالتدخل، وتفعيل خطط يقظة حقيقية تشرك السكان المحليين في حماية إرثهم البيئي والاقتصادي. شبح الحرائق رغم الحملات التحسيسية المتكررة التي تهدف إلى توعية المواطنين بخطورة الحرائق على واحات إقليم زاكورة، والتحذيرات المتواصلة بشأن ضرورة تفادي أي سلوك من شأنه أن يشعل النيران داخل هذه الفضاءات الهشة، لا تزال الحرائق تندلع بوتيرة مقلقة، مهددة ما تبقى من الغطاء النباتي ومصدر عيش آلاف الأسر. ويرى فاعلون محليون أن المسؤولية الفردية تلعب دورا محوريا في الوقاية، من خلال التحلي بأقصى درجات اليقظة، خاصة في ما يتعلق بعدم رمي أعقاب السجائر أو الزجاج القابل للاشتعال، وعدم إشعال النيران لأغراض الطهو أو التدفئة داخل المناطق الزراعية، نظرا لخطورة انتقال اللهب بسرعة في ظل وجود رياح قوية وجفاف حاد. لا يمكن تجاهل تصاعد وتيرة هذه الحرائق خلال السنوات الأخيرة، في ظل توفر جميع عوامل الاشتعال، من جفاف وإهمال، إلى تراكم الأعشاب اليابسة وبقايا النخيل، ما يجعل الواحات عرضة دائمة للخطر، ورغم كل الجهود، تظل الأسئلة الكبرى معلقة، من يشعل النيران في هذه الفضاءات التي تعد رمزا للهوية البيئية والثقافية للمنطقة؟ ولماذا تتكرر المشاهد نفسها كل صيف دون تحديد المسؤوليات؟ عبد الجليل شاهي (أكادير)