اشتهر بعدم التساهل مع كل ما يمس بنزاهة القضاء يوصف عبد العالي المومني، وكيل الملك السابق بالمحكمة الابتدائية بمكناس، بأنه رجل قانون بامتياز، إلى حد يقال معه إن القانون يجري في عروقه. صرامته في تطبيق القانون وعدم تساهله مع كل ما من شأنه أن يمس بنزاهة القضاء جعلا منه نموذجا نادرا في منظومة العدالة المغربية. لا مكان للمجاملات أو الزبونية أو المحسوبية في قاموس عمله. فالمومني يؤمن بأن موقعه وكيلا للملك ليس سلطة فوق القانون، بل هو سلطة خاضعة للقانون، تمارس بمسؤولية وانضباط. ورغم أن مهمته تتيح له قضاء أغلب وقته داخل مكتبه، إلا أن المومني يعرف بحركيته الدائمة داخل المحكمة، إذ يحرص على التجول بين المكاتب والدهاليز، والاستماع إلى المرتفقين وتقديم التوجيهات القانونية لهم، في مشهد قلما يصادف في محاكم المملكة. ولعل هذا التواضع هو ما يدفع بعض المرتفقين إلى الاستعانة بعناصر الأمن للتأكد مما إذا كان المتحدث إليهم هو فعلا وكيل الملك، نظرا لابتعاده عن الصورة النمطية التي يحملها كثيرون عن ممثلي النيابة العامة. قبل توليه هذا المنصب، كان المومني نائبا للوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بمكناس وممثلا للنيابة العامة بغرفة الجنايات، حيث عرف بقوة مرافعته وحرصه على إنصاف المتهمين قبل الدفاع عن الاتهامات. فلا يتردد في التماس البراءة حين يغيب التكييف القانوني الصحيح للجريمة، أو المطالبة بتمتيع المتهم بظروف التخفيف إذا اقتضت ملابسات القضية ذلك. وفي المقابل، يكون صارما في المطالبة بتشديد العقوبات إذا ثبت أن المتهم يستحقها. من بين القضايا البارزة التي تولى تمثيل النيابة العامة فيها، ما عرف إعلاميا بـ»قضية امجينينة»، التي هزت الرأي العام الوطني. فقد قام المتهم في هذه الجريمة البشعة بقطع رأس غريمه ووضعه في كيس بلاستيكي قبل أن يتوجه به إلى حانة، في مشهد صادم نقلته مختلف وسائل الإعلام، وخصص له برنامج "وقائع" حلقة كاملة. وقد ركزت مرافعة النيابة العامة حينها على الظروف النفسية والاجتماعية التي دفعت المتهم لارتكاب الجريمة، دون إغفال الجانب القانوني المتمثل في الأركان التكوينية للجريمة. اسم بارز دوليا وعلى الصعيد الدولي، لمع اسم عبد العالي المومني بعد مشاركته في لجنة التحقيق الدولية التي شكلتها الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم الإبادة الجماعية في بوروندي عقب اغتيال رئيس الجمهورية عام 1993. وجاء تعيين المومني في هذه اللجنة بقرار من الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، بطرس بطرس غالي، استنادا إلى كفاءته القانونية وتمكنه من اللغتين الفرنسية والإنجليزية. دامت مهمة اللجنة عاما كاملا في ظروف محفوفة بالمخاطر، قدم خلالها المومني مساهمات فعالة حظيت بإشادة المنظمة الأممية، وتم تضمين نتائجها في التقرير النهائي المرفوع إلى الأمم المتحدة. بهذه السيرة الحافلة بالمهنية والكفاءة والانضباط، يظل عبد العالي المومني مثالا حيا لرجل دولة يجسد روح العدالة، ويمارس القانون بضمير ومسؤولية، بعيدا عن كل ما قد يشوب الممارسة القضائية من خروقات أو استغلال للنفوذ. ولد عبد العالي المومني في 1952 بمكناس، و مارس القضاء منذ 1982 نائبا لوكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية ثم بخنيفرة، فنائبا للوكيل العام للملك بغرفة الاستئناف بالرشيدية وبعدها بمحكمة الاستئناف بمكناس، ليعين سنة 1989 أول وكيل للملك لدى المحكمة الابتدائية بسيدي سليمان، بعدما تحولت من مركز تابع للمحكمة الابتدائية بسيدي قاسم إلى محكمة ابتدائية. وبعد ستة أشهر من توليه منصب وكيل الملك طلب الإعفاء من المسؤولية لحادث وقع له مع مسؤول كبير بوزارة العدل، بسبب تنفيذ حكم، فقد تقدم مواطن بشكاية يدعي فيها أنه استصدر حكما نهائيا بالأداء والإفراغ ضد فرع لنقابة، وأن هذا الحكم ظل معلقا أكثر من عشر سنوات لامتناع المنفذ عليه عن أداء المبالغ المالية المحكوم بها عليه وإفراغ المحل، ولعدم استطاعة عون التنفيذ القيام بمهامه. فلم يتوان وكيل الملك في تسخير القوة العمومية التي انتقلت إلى المكان وأفرغته وسلم عون التنفيذ مفاتيح المحل إلى المحكوم له، وبعد فترة وجيزة من التنفيذ، تلقى مكالمة هاتفية من المسؤول بوزارة العدل يستفسره عن سبب تنفيذه الحكم، لأن القضية حساسة وتكتسي طابعا سياسيا، وأمره بإرجاع المفاتيح إلى المسؤول عن الفرع، إلا أن وكيل الملك أجابه بأنه «لا يمكن أن يرد باسم وكيل الملك ما سلم باسم صاحب الجلالة"، وأنه "إذا رجع المنفذ عليهم إلى المحل فسيتم اعتقالهم»، وذلك ما حدث فقد كسر المنفذ عليهم الأقفال واحتلوا المحل، فأمر وكيل الملك الشرطة بالانتقال إلى المكان واعتقال الأشخاص الموجودين بداخله ووضعهم تحت الحراسة النظرية، فتم ذلك، ليطلب المنفذ عليهم الصلح وتسليم المفاتيح لصاحبها. رجل قانون وأدب في اليوم الموالي تقدم وكيل الملك المومني بطلب الإعفاء من المسؤولية. وبعد فترة تدريب بالمحاكم الإدارية ومجلس الدولة بفرنسا توجه نحو القضاء المتخصص ليواكب تجربة تأسيس المحاكم الإدارية بالمغرب ليعين قاضيا مفوضا ملكيا بالمحكمة الإدارية بمكناس سنة 1993. وبعد هذه التجربة القصيرة عاد للعمل نائبا للوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بمكناس ثم وكيلا للملك بالمحكمة الابتدائية بفاس، فالمحكمة الابتدائية بمكناس التي أنهى مساره القضائي بها سنة 2012، ليدخل في تجربة قضائية جديدة ذات بعد دولي من خلال اشتغاله مستشارا ثم رئيسا للدائرة الجزائية بمحكمة النقض بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة إلى حدود 2022 ليعود إلى المغرب بعيدا عن الأضواء، والى حيه الشعبي التواركة ثم الزيتون بمكناس ليجالس رفاق حيه في المقهى، صباحا، ومساء يعود إلى خلوته في البادية يستنشق هواءها النقي ويطلق جماح أفكاره مبدعا شعرا، فهو لم يكن مجرد صوت للقانون، بل صوتا للأدب والإبداع. حميد بن التهامي (مكناس)