تواجه تراجع منسوب الثقة وارتفاع العزوف السياسي دعا جلالة الملك محمد السادس، إلى بدء المشاورات لإنجاز منظومة انتخابية قبل نهاية السنة، كي يتم التحضير الجيد لتشريعيات 2026، وانتخابات المجالس الترابية ومجلس المستشارين في 2027. وستضع الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في 2026، الأحزاب السياسية على المحك، أغلبية ومعارضة على السواء، بسبب ارتفاع حجم الهوة الفاصلة بين زعماء الأحزاب، والمواطنين، وتراجع منسوب الثقة في المؤسسة الحزبية، وارتفاع حجم العزوف السياسي. إعداد: أحمد الأرقام تعاني أغلبية الأحزاب بسبب تراجع عدد منخرطيها، بما فيها أحزاب المعارضة كما هو الشأن بالنسبة إلى العدالة والتنمية، الذي تراجع عدد أعضائه إلى النصف من 40 ألف منخرط إلى 20 ألفا وفق ما أكده عبد الإله بنكيران، أمين عام حزب "المصباح" الذي كانت لديه الجرأة لقول ذلك بخلاف باقي زعماء أحزاب الأغلبية والمعارضة، الذين رفضوا الإقرار بتراجع منسوب الثقة في الأحزاب وخاضوا معركة استقطاب جديدة للشباب في إطار برامج متنوعة من "جيل 2030" الذي أطلقه قادة الأصالة والمعاصرة، وبرنامج التطوع الذي أطلقه الاستقلال، وقافلة المدن التي بادر إليها التجمع الوطني للأحرار على مستوى الجهات الاثنتي عشرة بمختلف الأقاليم، ومخاطبة الشباب في الجامعات عبر مبادرة أطلقها التقدم والاشتراكية، وإحياء الجامعات الصيفية ومراكز الأبحاث على غرار ما قام به حزب الحركة الشعبية، وتنظيم مارثوني للمؤتمرات الإقليمية والجهوية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتنويع خطابات زعيم حزب الإسلاميين على أعضائه ومنظماته الموازية. ولم تتمكن الأحزاب السياسية عموما من استقبال أطر جديدة، لتعثر تداول المسؤولية بين الأطر والمناضلين الحاليين، من جهة، الذين يشتكون التهميش، إلا القلة الذين يطبلون لـ "الزعماء الخالدين"، وغياب الثقة في المؤسسة الحزبية، من جهة أخرى، وفق ما أظهرته مختلف الأبحاث الجارية إلا من بعض الاستثناءات القليلة جدا. الأغلبية والمعارضة في الواجهة سيحاسب الناخبون في صناديق الاقتراع على الخصوص الحكومة، والأغلبية، بمقارنة الوعود الانتخابية والبرنامج الحكومي، وما نفذ على أرض الواقع، وأيضا المعارضة بمقارنة خطاباتها وما قامت به في مواجهة القرارات الحكومية المتخذة على مستوى مشاريع القوانين، والإجراءات العملية التدبيرية، وما إذا كانت خاضت معارك لإسقاط مقتضيات تضر بمصلحتها. وفي خضم ذلك ظهر تباين في مواقف الأحزاب السياسية، حول أي نمط اقتراع يصلح للفترة المقبلة، هل الإبقاء على النمط الحالي باللائحة والقاسم الانتخابي، أم العودة إلى نمط الاقتراع الأحادي الاسمي.؟ وبينما رفضت أحزاب الأغلبية حدوث تغيير في نمط الاقتراع المطبق حاليا، والمرتبط أساسا باللائحة الذي مكنها من تحقيق فوز كاسح، لثلاثة أحزاب وتشكيل حكومة مصغرة في سابقة غير معهودة في تاريخ تشكيل الحكومات، التي وصفتها المعارضة ب "الأغلبية المتغولة" في البرلمان، والحكومة، والمجالس الترابية دون استثناء، دعا مثلا الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية، إلى العودة إلى نمط الاقتراع الفردي الأحادي الاسمي لمساعدة المناضلين الذين خبروا السياسة عن قرب على نيل أصوات الناخبين الذين يقدمون لهم طيلة سنوات خدمات القرب، حتى لو تعلق الأمر بخلط العمل الميداني المحلي والإقليمي والجهوي، بالعمل الوطني البرلماني. المعارضة تنتفض قال لشكر، أخيرا، "نحن نعيش سنة انتخابية ونرصد مظاهر تغول باتت تفرغ العملية السياسية من دور المعارضة. لم نسمع أن رئيس الحكومة استقبل قادة الأحزاب المعارضة أو أشركهم في اتخاذ قرار ما، ولم نسمع أن وزير الداخلية، باعتباره المسؤول عن الإدارة الترابية والمشرف على الانتخابات، قد قام بأي خطوة في هذا الاتجاه". وربط الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، كسب رهان إعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة لكسب تحديات التنمية، وتعزيز البناء الديمقراطي، والمؤسساتي في المغرب، عبر إجراء مصالحة المواطن مع الشأن المحلي، والعام ما سيرسخ ثقته في المؤسسات والعمل السياسي. ومن جهة أخرى، لم يكل محمد نبيل بنعبد الله، أمين عام التقدم والاشتراكية، من توجيه رسائل سياسية إلى الدولة، ووزارة الداخلية، والأحزاب السياسية، بمنع المفسدين من المشاركة في تشريعيات 2026، وانتخابات الجماعات ومجلس المستشارين في 2027. وشدد بنعبد الله، على ضرورة محاربة استعمال المال الحرام في الانتخابات التشريعية لمجلس النواب، وفي انتخابات الكبار المؤهلة لنيل العضوية في مجلس المستشارين، لأن ذلك يدمر العمل السياسي، ويجعل المنتخب المحلي والجهوي والبرلماني، منشغلا باسترجاع أمواله التي صرفها في الانتخابات بالتلاعب في الصفقات العمومية، لخدمة مصالحه الشخصية على حساب المصالح العليا للوطن والمواطنين، ما أدى إلى استمرار المشاكل نفسها على مدى عقود. وأكد كبير التقدميين، أن العزوف الانتخابي هو الذي يلوث العمل السياسي، ويسمح بوصول الانتهازيين، داعيا الطلبة في الجامعات إلى الانخراط في التغيير، والبدء بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، والتصويت لمن يرونه صالحا لخدمة مصالح المواطنين، مضيفا بأن العزوف ليس حلا. وقال بهذا الخصوص "عندما لا تقرر المشاركة في التصويت لاختيار من يسير شؤونك، فهناك من يشتغل بآليات أخرى قصد الوصول إلى المناصب السياسية ويقرر بدلا منك". الحكومة... حصيلة مشرفة ترافع كل من عزيز أخنوش، رئيس التجمع الوطني للأحرار، وفاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للأصالة والمعاصرة، ونزار بركة، أمين عام الاستقلال، عن حصيلة العمل الحكومي، معزز بالمعطيات الرقمية، وبمقارنات قبل التعيين الملكي والتنصيب البرلماني، وبعده، مسجلين جميعهم حصيلة إيجابية لتنزيل الدولة الاجتماعية، والرفع من الأجور، وتعميم التغطية الصحية، والدعم المالي الاجتماعي المباشر، ومواصلة إصلاح التعليم والصحة، والسكن، بغلاف مالي ناهز أزيد من 20 ألف مليار سنتيم خلال أربع سنوات. الأحزاب تتنافس لاستقطاب 12 مليون شاب قرر زعماء الأحزاب السياسية التي تشارك عادة في الانتخابات بما يقارب 30 حزبا، مطاردة 12 مليون شاب حسب الإحصاء العام للسكان في 2024 لأجل استقطابهم بدعوتهم إما إلى الانخراط في الأحزاب السياسية، وتجريب العمل النضالي الذي يتطلب التضحية بالوقت بسبب كثرة التنقلات وعقد التجمعات، أو على الأقل التصويت الانتخابي لمن يرونه مؤهلا من المرشحين، لكي يكون منتدبا في المؤسسات المنتخبة محليا وجهويا ووطنيا. وتنافس زعماء الأحزاب كل حسب تموقعه بين الأغلبية والمعارضة لدعوة 12 مليون شاب إلى الانخراط في اللوائح الانتخابية، والمشاركة بكثافة في التصويت الانتخابي لقطع الطريق على المفسدين، ومن يستعمل المال لشراء ذمم الفقراء والمهمشين الذين عادة هم من يصوت مقابل المثقفين والمتنورين الذين يرفضون المشاركة في التصويت. وبعد إعلان فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، القياديين في الأصالة والمعاصرة، إطلاق حملة جيل 2030 لاستقطاب الشباب بضم غير المتحزبين، لأجل تنشيط الحياة السياسية، وتغيير الخريطة الانتخابية، أطلق قادة التجمع الوطني للأحرار بدورهم قافلة جابت الجهات والأقاليم، ودعت مواطنين إلى ملء استمارات الانخراط العضوي في الحزب، أو على الأقل التفاعل الإيجابي معه والتصويت لمرشحيه بناء على تعاقد البرنامج مائة مدينة. وأعاد قادة الاستقلال، التجارب السابقة إلى الواجهة بعد قطيعة دامت خمس سنوات، بإطلاق قافلة التطوع الجهوي والإقليمي، برئاسة الأمين العام نزار بركة، وروابطه المهنية، لأجل استقطاب شباب عازف عن المشاركة السياسية، بينهم مقاولون صغار، وتناول مختلف القضايا بالنقاش العمومي المفتوح. ولأجل الرفع من إيقاع النقاش العمومي، دعا محمد نبيل بنعبد الله، أمين عام التقدم والاشتراكية، إلى اختراق ظاهرة العزوف السياسي كي تتمكن الأحزاب من استقطاب 12 مليونا لا يشاركون في الانتخابات، مقابل 8 ملايين فقط من يصوتون، بينهم مليون ورقة تعتبر ملغاة، إما تحتسب بيضاء، أو بها كل رموز الأحزاب بوعي من الناخبين، احتجاجا على أوضاعهم الاجتماعية المتردية، أو بسبب الأمية. وانتقد بنعبد الله، محاولات أحزاب لاستغلال أعمال الإحسان والبر الذي تقوم به بعض الجمعيات المدنية، لتحقيق أهداف انتخابية، والتمس من وزارة الداخلية، تحريك السلطات المحلية لمنع ذلك بقوة القانون. والتمس كل من عبد الإله بنكيران، أمين عام العدالة والتنمية، وإدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، ومحمد أوزين، أمين عام الحركة العشبية، من وزارة الداخلية التحري في أمر استغلال جمعيات المجتمع المدني، التي تقدم المساعدات إلى الفقراء والمهمشين في الأعياد الدينية، لأجل شراء أصواتهم. وشددوا على محاربة المفسدين، ومواجهة من يشتري ذمم الناخبين، بالهدايا والمساعدات بالاستعانة بجمعيات الإحسان، عبر توزيع القفف والمؤونة الغذائية، واللحوم الحمراء، والملابس. والتمس لشكر من المواطنين التفكير العميق والمسؤول عند التوجه إلى صناديق الاقتراع، معتبرا أن لحظة التصويت لم تعد مجرد تمرين ديمقراطي عابر، بل قرار وطني مصيري في مواجهة الفساد والتهميش، والمفسدين الذين لا يخدمون سوى مصالحهم الخاصة. ودعا بنكيران إلى بدء حملة واسعة لحث المواطنين والمواطنات على التسجيل في اللوائح الانتخابية، استعدادا للانتخابات المقبلة، قصد محاربة المفسدين الذين يشترون مقاعدهم بالمال، مضيفا أن الكثافة في التصويت هي التي ستهزم من يفسد الانتخابات. وطلب أوزين من مناضلي حزبه في مختلف الأقاليم تشجيع العازفين عن الانتخابات بالتسجيل في اللوائح الانتخابية لإحداث التغيير المنشود في الخريطة الانتخابية، وقطع الطريق على المفسدين. ودعا كل من أخنوش والمنصوري وبركة، الشباب إلى الترافع عن المكتسبات المحققة على أرض الواقع، ومواجهة التيار العدمي، الذي عمم اليأس في صفوف الشباب، وشجع على العزوف الانتخابي، ونشر صورا غير حقيقية عن المغرب، داعين إلى عقد مقارنات لكل المجالات على أرض الواقع بما كان سابقا. وسار الوزراء على منوالهم مؤكدين أنهم اشتغلوا بجد وحققوا الجزء الأكبر من مطالب وانتظارات المواطنين، ولديهم الاستعداد لاستكمال مسيرة الإصلاح القائمة حاليا وبجدية أكبر تتجاوز ما تم القيام به على مر خمس حكومات مضت. ثلاثة أسئلة: الثقة رهينة المصداقية ما هي دلالة ملتمس جلالة الملك محمد السادس، الموجه إلى وزير الداخلية ببدء المشاورات وحسم المصادقة على القوانين قبل نهاية السنة؟ > أعتقد أنه توجيه مهم جدا، لأنه يصب في قناة توضيح الرؤية لدى جميع الفرقاء السياسيين، حتى تتمكن الأحزاب من بناء إستراتيجيتها الانتخابية ووضع سيناريوهاتها وفق قواعد موضوعية ستكون واضحة لديها، بناء على المضامين التي تسطر القوانين الناظمة لهذه الانتخابات، وربما أيضا عدد الدوائر، وكيفية الاستفادة من الدعم العمومي، وغيرها من مقومات من الضروري الإلمام بها قبل الدخول إلى غمار المنافسة. ولابد أن تتاح فرصة الاطلاع على المنظومة الانتخابية، والمشاركة في بنائها أمام أي حزب، وفي فترة معقولة قبل النزال الانتخابي، كي يتمكن الجميع من رسم تحركاته، وضبط اتجاه بوصلته وفق ما لديه من إمكانات، بدل الاشتغال العشوائي والارتجالي الذي قد يطبع التحضير الانتخابي في آخر لحظة. ومن المهم أن يكون هذا التحضير مقيدا بما ستنص عليه هذه القوانين وما هو مضمن فيها، وبالتالي فالدعوة إلى فتح مشاورات من الآن، معناه فتح المجال أمام جميع الفرقاء السياسيين للإدلاء بآرائهم حول مضامين الإجراءات القانونية المرتقبة قبل إقرارها، ومن ثم توضيح الرؤية أمام الجميع، وهذا من شأنه طبعا، أن يفتح الباب نحو المنافسة السليمة والشفافة، وعلى أسس متساوية، وأن يقطع الطريق على مناورات اللحظة الأخيرة. << طالبت أحزاب باستمرار نمط اللائحة وأخرى التمست العودة إلى الأحادي الاسمي، ماهي خلفيات ذلك سياسيا؟ > من المهم الإشارة إلى أن أسلوب الاقتراع ليس ذا بعد نمطي، قار وعام وشامل، بل هو رهين بتقلب الأحوال والبيئة والظروف، وليس هناك، في اعتقادي على الأقل، ميزان حاسم للحكم على أي واحد من النمطين هو الأجدى والأنفع لإفراز تمثيلية حاسمة، فقد يكون الاقتراع الأحادي الاسمي في دائرة صغيرة هو الأكثر موضوعية، لو قارناه مع الأسلوب اللائحي والعكس صحيح. وبالتالي أنا أرى أن كلا الدعوتين مهمتان، لأنهما تعبران عن وجود اختلاف في وجهات النظر، ولكل طرف حيثياته التي يدافع بها عن موقفه، والديمقراطية لا تتقدم وتنتعش إلا بالتنوع وبرعاية الاختلاف، بالتالي فالدعوة إلى فتح مشاورات من الآن، هي فرصة ستتيح إمكانية الاستماع إلى الجميع، وتقييم دفوعات أي طرف، ومن ثم الوصول إلى مقتضيات موضوعية نابعة من فضيلة المشاورات، لأن الغاية في الأخير، هي الوصول إلى فرز نتائج مقنعة، وموضوعية، تعبر عن تمثيلية حقيقية، لا إقصاء فيها ولا تهميش ولا احتكار. << تعاني الأحزاب فقدان الثقة من قبل المواطنين، وعزوف المشاركة، كيف السبيل لحل هذه المعضلة؟ > هذا مسار طويل ومعقد، وسؤال عمر طويلا ولكنه يتجدد مع اقتراب أي استحقاق انتخابي، وليس هناك من جواب أفضل من القول إن هذه الثقة، لن تتحقق إلا بالجدية، وظهور أثر التمثيلية مجسدا على أرض الواقع. هذه الجدية لها مظاهر متعددة يصعب الإحاطة بها من خلال هذه الدردشة السريعة، ولكن يمكن تلخيصها في استعداد الأحزاب لإنتاج نخب حقيقية وذات مصداقية، عن طريق الكف عن أسلوب منح التزكيات بناء على مبدأ المقايضة والترضية، ثم استعداد الأحزاب لتجديد ذاتها، فالتناوب على السلطة الذي نطالب به الأنظمة، من المفروض أن يتجسد أولا في هياكل الأحزاب ذاتها، وفضيلة الديمقراطية تنطلق من الأحزاب باعتبارها قاطرتها الأساسية قبل الوصول إلى الدولة. رشيد لبكر (أستاذ القانون العام كلية الحقوق جامعة شعيب الدكالي بالجديدة)