هيمنة مجموعات محدودة على المعاملات وأرباح في تزايد متواصل كشف التقرير الأخير لمديرية الإشراف البنكي، أن القطاع البنكي لا يعرف الأزمة وأن الأرباح المحصلة في نمو متواصل، تتجاوز نسبته معدلات النمو التي يحققها الاقتصاد الوطني بأضعاف مضاعفة. يقدم التقرير مجموعة من المعطيات التي تسلط الضوء على المصادر الرئيسية التي تمكن البنوك والهيآت التي تدخل في حكمها من تنمية وتوسيع هوامش ربحها. ويشير التقرير إلى تركيز النشاط في عدد محدود من الفاعلين في القطاع، ما يؤثر، بكل تأكيد، على المنافسة وأسعار الخدمات، حتى وإن لم تتم الإشارة إلى ذلك صراحة في الوثيقة. إعداد: عبد الواحد كنفاوي أرباح بـ 1570 مليارا عرفت أرباح البنوك الصافية زيادة بنسبة 24.1 في المائة، مع متم السنة الماضية، لتصل إلى 15.7 مليار درهم (1570 مليار سنتيم). وأرجعت مديرية الإشراف البنكي، التابعة للبنك المركزي، هذا التحسن الملحوظ في أرباح مؤسسات الائتمان إلى تعزيز نتائج الاستثمارات المالية وتحسن هوامش الربح المحقق من الفوائد والخدمات المقدمة للزبناء، رغم ارتفاع كلفة المخاطر. وسجل تحسن في مختلف المؤشرات، إذ ارتفع الناتج البنكي الصافي، الذي يماثل القيمة المضافة بالنسبة إلى المقاولات غير المالية، بنسبة 16.3 في المائة، ليستقر عند حدود 86 مليار درهم (8600 مليار سنتيم)، وتمثل هوامش الفوائد، الناتجة عن تلك المحصلة من القروض الممنوحة للزبناء والمؤداة لفائدتهم على ودائعهم لأجل، 40 في المائة من النتاج البنكي الصافي، لتصل في مجملها إلى 39.3 مليار درهم (3930 مليار سنتيم)، إذ حصلت فوائد بقيمة 48.7 مليار درهم (4870 مليار سنتيم)، مقابل أداء فوائد على ودائع الزبناء لأجل بقيمة إجمالية في حدود 9.5 ملايير درهم. وحصلت البنوك عمولات على الخدمات المقدمة لزبنائها بقيمة إجمالية ناهزت 11 مليار درهم (1100 مليار سنتيم)، مسجلة زيادة بنسبة 10 في المائة، كما حققت المؤسسات البنكية أرباحا على عملياتها في السوق المالية بقيمة إجمالية تبلغ 16.4 مليار درهم (1640 مليار سنتيم)، مسجلة زيادة بنسبة 58.4 في المائة. 24 بنكا تتقاسم السوق تضم مؤسسات الائتمان والهيآت التي تدخل في حكمها 93 مؤسسة، من ضمنها 24 بنكا، منها خمسة بنوك تشاركية وثلاث نوافذ تقدم التمويلات البديلة الخاضعة لتعاليم الشريعة الإسلامية. وتقدم هذه المؤسسات المالية خدماتها عبر 5692 وكالة و8328 شباكا أوتوماتيكيا، إضافة إلى خدمات البنك المحمول. وتتوفر المجموعات البنكية على 51 فرعا ومكتبا بالخارج، منها 45 فرعا و4 مكاتب بإفريقيا و6 فروع و16 مكتب تمثيل بأوربا. وأشار تقرير المديرية العامة إلى ارتفاع عدد المؤسسات والهيآت الائتمانية الخاضعة لرقابة بنك المغرب من 88 مؤسسة سنة 2023 إلى 93 مؤسسة مع نهاية السنة الماضية، وتشمل 19 بنكا تقليديا، و5 بنوك تشاركية، و29 شركة تمويل، و6 بنوك خارجية، و11 جمعية للتمويل الأصغر، و18 مؤسسة أداء، و3 شركات تمويل تعاوني، وصندوق الإيداع والتدبير، والشركة الوطنية للضمان وتمويل الشركات. وتخضع لرقابة بنك المغرب، أيضا، أربع نوافذ تشاركية، من بينها نافذة متخصصة في ضمان التمويلات. زيادة التمركز سجل تقرير مديرية الإشراف البنكي زيادة في تمركز نشاط مؤسسات الائتمان، إذ أن خمس مجموعات بنكية الأولى هيمنت، خلال 2024، على 76 في المائة من إجمالي أصول القطاع، مقابل 75.7 في المائة، سنة من قبل، في حين أن حصة المجموعات الأولى الثلاث انتقلت من 61.7 في المائة، خلال 2023، إلى 61.9 في المائة في السنة الماضية. وتهيمن المجموعات البنكية الثلاث الأولى على 63.5 في المائة من الودائع الإجمالية التي تم تجميعها من قبل مختلف الفاعلين في القطاع، وترتفع الحصة إلى 78 في المائة، بإضافة المجموعتين التاليتين. وتنسحب الهيمنة، أيضا، على القروض الممنوحة من قبل القطاع، إذ قدمت المجموعات ذاتها 60.4 في المائة، من إجمالي القروض الممنوحة، وتصل حصة خمس مجموعات الأولى إلى 77.1 في المائة. وعززت البنوك ذات أغلبية رؤوس الأموال المغربية حصتها من السوق، التي ارتفعت بأزيد من 6 نقط، في ما يتعلق بإجمالي أصول القطاع، لتصل إلى 73.4 في المائة، كما ارتفعت النسبة في ما يتعلق بالودائع المجمعة بـ 6.4 نقط، لتصل 75.1 في المائة من إجمالي ودائع القطاع، كما تحسن نصيبها من القروض الممنوحة بـ 8.2 نقط، ليصل إلى 74.4 في المائة، بفعل عمليات اقتناء حصص أجانب في بعض المؤسسات البنكية، خاصة الشركة العامة، التي أصبحت تحمل اسم "سهام بنك"، بعدما اقتنى مولاي حفيظ العلمي رجل الأعمال المغربي والوزير الأسبق حصة الفرنسيين فيها، مقابل 8 ملايير درهم (800 مليار سنتيم)، وهمت الصفقة كل فروع المؤسسة البنكية، مثل شركة التمويلات "إيكدوم" والتأمينات "المغربية للحياة" وغيرها من الفروع الأخرى، التي يصل عددها الإجمالي إلى 16 فرعا. وجاءت هذه العملية، أشهرا بعد اقتناء "هولدينغ" مجموعة عائلة بنصالح «هولماركوم» حصة المجموعة الفرنسية القرض الفلاحي، في مصرف المغرب، التي تصل إلى 78.7 في المائة. وينعكس هذا التمركز على مستوى التنافسية داخل القطاع، إذ أن أسعار الخدمات تظل متقاربة جدا بين مختلف البنوك، كما أن معدلات الفائدة تعتبر مرتفعة. المتاجرة بودائع الزبناء لم تتجاوز الأموال الذاتية للبنوك، مع متم السنة الماضية، 167.8 مليار درهم، ما يمثل 8.8 في المائة من إجمالي الواردات التي توجد تحت تصرفها، علما أنها منحت قروضا ناهزت قيمتها الإجمالية 1375 مليار درهم، ما يطرح التساؤل حول مصادر تعبئة الموارد المالية لتوزيع هذا الحجم من التمويلات. في الواقع تستخدم البنوك ودائع زبنائها من أجل منح القروض لمن يطلبها، وبذلك فهي تتوسط بين الذين يتوفرون على مدخرات مالية يودون توظيفها أو وضعها في مكان آمن وبين الأشخاص الذين يبحثون عن تمويلات. وتعتبر تعبئة الادخار وتمويل الاقتصاد من المهام الأساسية للبنوك، إذ تعمل على تحفيز الخواص والمقاولات والمؤسسات التي توظف الأموال على إيداع المدخرات لديها مقابل سعر فائدة يتم تحديده حسب قانون العرض والطلب، كما أن نسبة كبيرة من الموارد تأتي من الحسابات تحت الطلب، التي تعرف أيضا بالحسابات الجارية، التي لا تؤدي عليها البنوك أي فائدة، لكنها تعيد إقراضها للزبناء بفوائد أو توظيفها في سندات الخزينة والأسواق المالية، ما يمكنها من تحقيق هامش ربح هام. وتمكنت البنوك من تعبئة ودائع بقيمة إجمالية وصلت إلى 1257 مليار رهم، منها 910.5 ملايير درهم (أزيد من 91 ألف مليار سنتيم) عبارة عن حسابات تحت الطلب، أي موارد بالمجان لا تؤدي عليها البنوك أي فوائد، ما يمثل أزيد من 78 في المائة من إجمالي لقروض الممنوحة من قبل البنوك، التي وصلت قيمتها الإجمالي مع متم السنة الماضية، 1162.3 مليار درهم، أي أن أزيد من ثلاثة أرباع القروض التي تم توزيعها تمت تعبئتها من موارد مالية حصلت عليها البنوك بالمجان من زبنائها، تلك المودعة في حسابات تحت الطلب، وأعادت إقراضها بأسعار فائدة مرتفعة، ما يمكنها من تحقيق هامش ربح مهم. وارتفعت حصة الودائع تحت الطلب إلى 71.4 في المائة من إجمالي الودائع البنكية على حساب الأصناف الأخرى من الودائع. وعرفت ودائع الأشخاص المقيمين بالمغرب، خلال السنة الماضية، زيادة بنسبة 9.1 في المائة، لتصل إلى 676.9 مليار درهم، بعد ارتفاع بنسبة 3.6 في المائة نهاية 2023، بفعل ارتفاع الودائع تحت الطلب بـ 12 في المائة، وزيادة بـ 1.6 في ودائع حسابات التوفير، وتحسن بـ 2.9 في المائة في الودائع لأجل.