الباحث مصطفى نشاط يعرض مسار زراعة القنب الهندي صدر للباحث مصطفى نشاط كتاب بعنوان "وقفات مع تاريخ القنب الهندي بالمغرب ومستخلصه من "الكيف" إلى حدود الاستقلال" عن منشورات سليكي أخوين بطنجة. الكتاب رحلة عبر تاريخ طويل ومعقد لزراعة القنب الهندي واستخدامه في المغرب. ويكشف كيف تأثر المجتمع المغربي بالحشيش على مر العصور والدور الذي لعبه الحشيش في الثقافة المغربية، إضافة إلى التعرف على تاريخ الحشيش في المغرب، من الأصول القديمة حتى اليوم، بما في ذلك الفترات الهامة، والتطورات الرئيسية، والأحداث الكبرى. إعداد: عزيز المجدوب يرى الباحث مصطفى نشاط، في سياق حديثه عن دخول الحشيشة إلى المغرب، أن هناك العديد من الدراسات المعاصرة تذهب، دون سند إلى ربط ظهور القنب الهندي بالمغرب بدخول العرب المسلمين إلى المنطقة في القرن الأول للهجرة/ القرن السابع الميلادي، وترجع بدايات زراعته بكتامة إلى القرن الخامس عشر ميلادي. في حين يرى نشاط أن وجود زراعة القنب الهندي بالمغرب سبق دخول العرب المسلمين إليه، فقد وجدت به في عصر الفينيقيين والقرطاجيين، وكل ما قام به العرب المسلمون، هو أنهم طوروا زراعته لإنتاج الحبال والورق والنسيج. ويورد الباحث إشارة عن محمد ابن إبراهيم المعروف بابن الحنبلي (توفي في 971 هجرية) الذي تتبع طرق انتقال الحشيشة بين المناطق. فقد انطلق من مصادر زراعتها الأولى بالصين والهند، ومنهما انتقلت إلى بلاد فارس والترك، ثم تفشى بين "أهل العراق والجزيرة والروم والشام ومصر وأعمالها، حتى انتهى خبره (الحشيش) إلى المغرب، فصنعها كل طائفة منهم فاستعملوه" (عن مخطوط "ظل العريش في منع البنج والحشيش"). وهنا يشير المؤلف إلى أن دخول الحشيشة إلى المغرب اتخذ اتجاه شرق ـ غرب، علما أن ذكر زراعة القنب بالغرب الإسلامي لم يغب عن المصادر التاريخية الأولى. إشارات قديمة يقول نشاط إن أقدم الإشارات التي وصلت عن استعمال الحشيش هي تلك التي أوردها ابن حوقل لما زار الغرب الإسلامي في القرن العاشر الميلادي وذلك بأحواز تونس وبأغمات. وبعد قرنين كتب الرحال الشريف الإدريسي عن مزروعات قرية بني وازلفن القريبة من تونس وهي "البصل والشهدانج والحناء والكمون". ومما يلاحظ عن زراعة القنب ببلاد المغرب عند الإدريسي، أنها اقتصرت على إفريقية والمغرب الأوسط (تونس والجزائر)، بينما لا توجد أي إشارة لديه عن زراعتها بالمغرب الأقصى، في الوقت الذي أشار فيه معاصره خير الدين الإشبيلي (توفي في 1179 ميلادية) إلى وجود زراعة القنب بالأندلس بنوعيه البري وغير البري، وإلى استعماله مخدرا "إذا أكثر منه، صدّع الرأس وجفف المني وقطع النسل، وأسكر كما تسكر الخمر". ويعتبر المؤلف أن أوفى مصدر عن زراعة القنب الهندي بالمغرب الأقصى، هو "وصف إفريقيا" للحسن الوزان الذي عاش في العصر الوطاسي، فقد كان يُزرع بمغيلة (قرب مكناس) وصفرو وأزكان. وأشار إلى أن الوزان الذي زار معظم المناطق المغربية، ووقف عند عاداتها، لم يدل بأي إشارة تفيد وجود زراعة القنب بمنطقة الريف، التي ستعرف بها لاحقا، ولا لتعاطي الحشيشة بها، وهو الذي لم يتردد في الحديث عن بعض الظواهر الاجتماعية مثل شرب الخمور. الحشيشة في العصر السعدي يستحضر المؤلف موقف الطبيب الوزير أبو القاسم الغساني (توفي في 1611 ميلادية) الذي ندد بتفشي تناول الحشيشة بفاس، إذ قال "يسمى ورقها المأكول للإسكار عند العامة بالحشيش. وقد عمت البلوى في هذا الزمان الكثير من الفواحش والمناكر بكثرة أكله والاشتغال به عند الرجال والنساء والصبيان". وكان الغساني معاصرا للسلطان أحمد المنصور الذهبي وطبيبه الخاص، وبالرجوع إلى معظم ما جاء بمعظم الدراسات المعاصرة التي وقفت عند حضور الحشيشة بالمغرب آنذاك، نجدها تتفق على أن هذا السلطان أمر أن تحرق على الأشهاد مخازن التبغ والقنب وملاحقة المتعاطين له. وكانت نتائج أوامر المنصور بإحراق التبغ ظرفية، إذ ظل الفقهاء منقسمين بين محرم ومحل له، بينما استمر تيار تعاطي التدخين جارفا بالمغرب السعدي، كما استمر تيار تعاطي الحشيشة. مرحلة التوسع يقول مصطفى نشاط إن زراعة القنب الهندي شهدت توسعا خلال القرنين 17 و18 ميلاديين، وخلال هذه الفترة تزايد عدد الأسرى الأوربيين بالمغرب في خضم الحروب البحرية والقرصنة المتبادلة بالبحر الأبيض المتوسط، وتزايد اهتمام الأوربيين بمعرفة المغرب، في سياق البعثات الاستكشافية والعلمية التي سخرتها الدول الأوربية تمهيدا لعصر الامبريالية. ومن خلال الشهادات الأوربية بدا أن إقبال المغاربة على الحشيشة كان آخذا في التزايد، وتفيد بعض الوثائق التاريخية أن زراعة القنب الهندي، لم تقتصر في القرن 18 على المناطق المعروفة بها، بل وجدت بمناطق جنوبية مثل "توات"، فقد كادت الحرب أن تندلع بها بين رجال من "تيميمون" وحلفائهم من أولاد سعيد ضد رجال "بني مهلال"، لولا تدخل بعض الصلحاء والقائد حمدون، وذلك جراء تسلل بعض عبيد "تيميمون" إلى زاوية سيدي بلقاسم وسرقتهم نبات الكيف. طوائف التصوف والكيف ومن بين العوامل التي أسهمت في الإقبال عل الكيف، حسب المؤلف، بمغرب القرن 18، تزايد انتشار الطلب عليه من قبل طوائف التصوف، مثل هداوة وجيلالة وحمادشة وعيساوة، حتى إن التعاطي إلى الحشيشة كان من بين شروط الانضمام إلى طائفة هداوة. ويورد نشاط نماذج من الكتابات التي تناولت طائفة هداوة منها ما كتبه الفرنسي روني برونيل، الذي كان مراقبا مدنيا بمكناس خلال عشرينات القرن الماضي، متحدثا عن طقوس هداوة ومنها لبس الأسمال الرثة المرقعة وتطويل الشعر واللحية والسياحة في الأرض بالاعتماد على التسول في عيشهم، والانتصار للعزوبية، وربط علاقة خاصة بالقطط، والضرب على "الدعدوع"، وخاصة أكثر تدخين الكيف باعتباره طقسا من طقوس الذكر، حتى إنهم يعتقدون أن المتعاطي له ينال بركة سيدي هدّي. صورة الهداوي وإذا كان هناك منتسب إلى التصوف الشعبي التصق اسمه بالحشيشة، فهو سيدي هدّي مؤسس الطائفة الهداوية، والذي عاش في نهاية القرن 18 وبداية القرن 19، وتتجسد العلاقة بين الطائفة والحشيشة من خلال بروز مجموعة من الروايات الشعبية المتداولة التي جمع برونيل معظمها في دراسته. ومن هذه الروايات الانتصار لتوسع زراعة الكيف على حساب الغابة بالمنطقة "خوتنا كتامة ناس فوهامة قلعوا الغابة وحرثو للبوهالة الحشيش وطابة"، ومنها ما يرتبط بسيادة الكسل لدى هداوة بفعل اعتمادهم على التسول وتناول الكيف "الهداوي ما يخدمش، وإذا خدم ما يربحش". ومنها ما يؤكد على الحاجة الحيوية التي يمثلها الكيف في حياة الهداوي "هداوة يتحملوا الجوع وما يتحملوش ما يكونش عندهم الكيف"، ومنها ما ينم عن أهمية مخزون الكيف عند هداوة "إذا ما بقاش الكيف، نصيبوه عند هداوة". وما تزال الذاكرة الشعبية تحتفظ ما يفيد تلك العلاقة بين هداوة والكيف، منها "الرق والحلاوة بحال سبسي هداوة"، وتستحضر سيدي هدّي باعتباره "مول السبسي والمطوي"، في إشارة إلى الغليون الذي كان يدخن الكيف عبره، والكيس الجلدي الصغير الذي يحفظ فيه، وقد يرى المرء هداوة بالمقاهي منشغلين بصناعة الغلايين، وهم غارقون في نشوة كبيرة أمام كؤوس الشاي، وداخل المقاهي يتعالى دخان يلحق الدوخة بكل من لم يتعود على الكيف. استفحال الظاهرة تخللت القرن التاسع عشر مجموعة من الأحداث أفرزت تحولات بالمجتمع المغربي كان من مظاهرها تزايد الإقبال على الحشيشة وهو ما كشفت عنه التقارير والرحلات الاستكشافية والبعثات الاستعمارية المتكاثرة في هذا القرن عن المغرب. وزار الشاعر والرحالة الفرنسي شارل ديديي مناطق طنجة وتطوان وسبتة في 1835 في إطار إعداد تقرير عن المغرب لدفع فرنسا التي كان قد احتلت الجزائر إلى الإسراع من أجل استعماره، واستند في إشاراته عن المغرب، إلى ما كان مكتوبا عنه سابقا، لكن ديديي قدم بعض الإشارات اعتمادا على المعاينة، ومما سجله في هذا السياق أن صاحب دكان بطنجة، كان يدخن الكيف أو الحشيشة، واعتبرهما نباتين معوضين للتبغ عند المغاربة. ويبدو أن ظاهرة التعاطي للحشيشة قد استفحلت آنذاك، حتى إن هزيمة معركة "إيسلي" في 1844، تعود ضمن ما تعود، إلى انتشار الظاهرة بين صفوف الجنود المغاربة المشاركين في المعركة. وتتحدث إحدى الروايات الفرنسية عن عدم اكتراث حراس المحلة بالإنذار من اقتراب الجيوش الفرنسية صباح يوم المعركة، وكان هؤلاء الحراس أنفسهم، ومعهم كثير من الجنود تحت تأثير قوي لمخدر الحشيش، بالتالي لم يبدوا أي مقاومة لحظة الهجوم وقتل أكثرهم عند أبواب الخيام.