بقلم: محمد رضوان* في سياق وطني يزخر بالدلالات الرمزية والدستورية، يخلد الشعب المغربي يوم 30 يوليوز 2025 الذكرى السادسة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه المنعمين. وهذه المناسبة المجيدة ليست فقط محطة احتفاء، بل لحظة تقييم لمسار إصلاحي عميق أعاد تشكيل ملامح الدولة الحديثة، وفي صلبها القضاء كمؤسسة دستورية مستقلة. ومنذ اعتلاء العاهل المغربي أعز الله أمره، العرش سنة 1999، انطلق ورش إصلاح العدالة برؤية استراتيجية، جعلت من القضاء ركيزة أساسية لبناء دولة الحق والقانون. ولم يكن الأمر مجرد إصلاح تقني، بل مشروعًا شاملاً استهدف إعادة هيكلة السلطة القضائية، تنظيما وتأهيلا وتحديثا، حتى تستجيب لمتطلبات المحاكمة العادلة، وتضمن الحقوق، وتكرّس الثقة في المؤسسات. وفي هذا الإطار، تخلد الودادية الحسنية للقضاة، إلى جانب كافة مكونات السلطة القضائية، هذه الذكرى الغالية، باعتبارها مناسبة للتأمل في مسار إصلاح العدالة واستحضار ما تحقق من مكتسبات استراتيجية، شملت الهيكلة المؤسساتية، والتأهيل البشري، وتطوير المرجعيات الدستورية والقانونية، بالإضافة إلى تعزيز آليات الحكامة والتكوين المستمر وتحديث الإدارة القضائية. وقد شكل دستور 2011 منعطفا حاسما، بنصه الصريح على مبدأ استقلال السلطة القضائية، وإحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية كهيأة دستورية قائمة بذاتها، محل المجلس الأعلى للقضاء، بما يكرس استقلال القضاة ويؤسس لمسار مهني شفاف، خاضع لمبادئ الكفاءة والمسؤولية. وفي خطوة نوعية أخرى، تم سنة 2017 نقل رئاسة النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، في تفعيل فعلي لاستقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية. وقد عبرت الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى رئيس النيابة العامة، آنذاك، عن توجه ملكي واضح يروم ترسيخ التخليق، والنجاعة، والحكامة القضائية، في انسجام مع مرتكزات دولة المؤسسات. ولقد دعم هذا الورش المؤسسي إصلاحٌ تشريعي واسع النطاق، شمل القوانين المنظمة للسلطة القضائية، والمسطرتين المدنية والجنائية، وتفعيل ورش العدالة الرقمية، إلى جانب تدابير مواكِبة لإرساء عدالة مجالية عادلة، وتبسيط المساطر، وتحسين جودة الخدمات القضائية، بما يُعزّز ثقة المواطن في القضاء ويُعلي من شأن الأمن القانوني والقضائي. وتكريسا للبعد الاقتصادي للدولة الحديثة، أُدرجت المحاكم التجارية والإدارية والمتخصصة ضمن الرؤية التنموية الجديدة، وأصبحت النجاعة القضائية مؤشرا مركزيا في دعم مناخ الأعمال وجاذبية الاستثمار، الأمر الذي أسهم في ترسيخ صورة المغرب كشريك موثوق ومركز للاستقرار في المنطقة. وما كان لهذا المسار أن يتحقق لولا الرعاية المولوية السامية المتواصلة التي يخص بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، القضاء، باعتباره الضامن الأعلى للحقوق والحريات، والحَكم الأمين بين الأفراد والمؤسسات، فضلا عن الدور المحوري الذي اضطلع به، ولا يزال، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، باعتباره شريكا رئيسيا في تنزيل أوراش الإصلاح، ومؤسسة ذات مصداقية منفتحة على قيم التعاون والتكامل والشراكة. إن القضاء المغربي، وهو يخلد هذه الذكرى الوطنية المجيدة، يستحضر بعمق جسامة مسؤولياته في ترسيخ دولة الحق والقانون، وتأمين التوازن المؤسساتي، وصيانة المشروعية. كما يعبّر، من خلال مؤسساته وهيآته المهنية، عن تجنده الموصول خلف القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لمواصلة مسار الإصلاح الشامل، وتثبيت مكانة القضاء كمؤسسة مواطِنة، مؤتمنة على حماية الحقوق والحريات الدستورية، وضامنة للتعاقد المجتمعي في أبعاده القانونية والإنسانية. ومن هذا المنطلق، يعد عيد العرش المجيد أكثر من مجرد مناسبة رمزية، إنه موعد وطني متجدد لتجديد العهد مع المشروع الملكي الحداثي، الذي جعل من إصلاح منظومة العدالة إحدى ركائزه الأساسية، وكرس رؤية مؤسساتية متقدمة قوامها الكرامة، والعدالة، وسيادة القانون. * رئيس الودادية الحسنية للقضاة رئيس المجموعة الإفريقية التابعة للاتحاد الدولي للقضاة