عبد الواحد كنفاوي كانت فترة الحظر الصحي، التي فرضتها جائحة "كوفيد-19"، بمثابة اختبار للمغاربة على قدرتهم على التكيف والابتكار. وفي وقت خيم فيه الخوف من حمل "الفيروس" والموت على جل المواطنين، فإن أشخاصا آخرين وجدوا في هذه الظروف فرصا للدخل، بعد أن فقد آلاف المشتغلين عملهم، بسبب تداعيات الأزمة الصحية وإغلاق المقاولات التي يشتغلون فيها أبوابها. وفي ظل تلك الظروف الصعبة برزت أنشطة يمكن أن نطلق عليها خدمات القرب المتنقلة، من آلات تعصير القهوة المحمولة في السيارات، إلى الدراجات النارية ثلاثية العجلات، التي تجوب الأحياء لغسل السيارات والزرابي تحت الطلب، وصولا إلى الانتشار الواسع لخدمات توصيل الطلبيات بشتى أنواعها. وكانت دواعي انتشار هذه الخدمات واضحة ومباشرة، تتمثل في الاستجابة لضرورة صحية ملحة، إذ قلل الحجر من حركة المواطنين وزاد في احتياجاتهم لتلقي الخدمات والمنتوجات على عتبات منازلهم، دون حاجة للتنقل، كما أن هذه الخدمات كسرت حواجز الزمان والمكان، مقدمة حلولا سريعة ومتاحة في أوقات لم تكن فيها البدائل التقليدية متوفرة، أضف إلى ذلك أنه في ظل توقف عدد من القطاعات، وجد شباب ومقاولون صغار في هذه الأنشطة مصادر دخل تعينهم في ظروف صعبة. تلك الأنشطة، التي ولدت من رحم الأزمة، كشفت عن إمكانات هائلة ونمط استهلاك جديد، لا يزال يتوسع حتى بعد رفع الحظر وعودة الحياة إلى وضعها الطبيعي. إنها تمثل نواة اقتصاد قرب، يمكن أن يساهم في توفير فرص الشغل، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتقديم قيمة مضافة للمستهلك. لكن، لكي تتحول هذه النواة إلى قوة دافعة منظمة ومستدامة، لا بد من تدخل لتنظيم هذه الأنشطة المبتكرة، من خلال وضع إطار قانوني مرن ومحفز يقنن هذه الخدمات. كما يجب تبسيط إجراءات الترخيص، ويمكن اعتماد تراخيص مؤقتة أو مبسطة لهذه الأنشطة، مع تحديد شروط واضحة للنظافة والصحة والسلامة. بالموازاة مع ذلك، فإن هذه الأنشطة بحاجة إلى حاضنين، ويمكن للغرف المهنية والجمعيات المدنية المتخصصة أن تلعب دورا في تأطير هؤلاء المقاولين الصغار، وتقديم دورات تكوينية بسيطة في مجال إدارة الأعمال والتسويق ومعايير الجودة والنظافة، كما يجب التفكير في آليات لدعمهم ماليا في بداياتهم. ويجب التفكير، على المدى المتوسط، في كيفية دمج هذه الأنشطة في النسيج الاقتصادي الرسمي، من خلال تسهيل ولوجها للتغطية الاجتماعية وأنظمة الضرائب المبسطة، ما يضمن كرامة العاملين وحقوقهم الأساسية. إن هذه الخدمات المبتكرة أبانت عن قدرة كبيرة لدى الشباب للتأقلم مع الظروف وابتكار الحلول للصعوبات التي تواجه المجتمع وتحويلها إلى فرص للشغل ومصادر للدخل، ما يفرض على من يهمه الأمر الاستثمار في تعزيز روح المبادرة التي أظهرها المغاربة في أحلك الظروف. فبتنظيم هذه الأنشطة ودعمها، يمكننا تحويل تحدي الأمس إلى فرصة حقيقية لإنتاج قيمة مضافة، وتوفير فرص شغل جديدة، وبناء اقتصاد أكثر مرونة واستجابة لحاجيات المواطنين، يمكن أن يحوز بجدارة على لقب اقتصاد القرب.