عبد الواحد كنفاوي التهبت أسعار اللحوم من جديد، لتتجاوز 160 درهما للكيلوغرام، بالنسبة إلى لحوم الأغنام، في هذه الأيام، بعد أن عرفت انخفاضا مهما إثر الرسالة الملكية التي أهاب فيها الملك بالمغاربة عدم القيام بشعيرة ذبح الأضحية هذه السنة، ما كان له الأثر الإيجابي الكبير على أسعار اللحوم، التي انخفضت بأزيد من 30 في المائة، ما خلف ارتياحا لدى فئات واسعة من المجتمع. وكان من المفروض أن تتواصل الأسعار منحاها التنازلي، بسبب تراجع الطلب على الأضحيات وتوفر العرض، لكن فرحة انعكاس إلغاء النحر على الأسعار لم تدم طويلا، إذ سرعان ما عاد الطلب على اللحوم ليرتفع بشكل غير عاد، استعدادا للشواء وطبخ "شهيوات" العيد، رغم تأجيل النحر. واختفت كل مظاهر التشكي من الوضعية المالية المزرية ومن الارتفاع الصاروخي للأسعار ومن "الشناقة"، وأصبحت طوابير تصطف أمام محلات الجزارة لاقتناء أجزاء الأضحية وأحشائها، حتى حطمت الأسعار أرقاما قياسية، إذ أن أحشاء الأغنام "الدوارة" وصلت إلى مستويات قياسية لتتجاوز 700 درهم، ولم يثن هذا الغلاء الفاحش عاشقي "التقلية" من التنقل خارج المدن بحثا عنها في الأسواق الأسبوعية المجاورة. وأصبح الحديث عن اللحوم والأحشاء موضوع الساعة في المقاهي، ما دفع أصحاب محلات الجزارة، إثر هذا الاهتمام الواسع بـ"الحولي" وأحشائه، إلى رفع العرض بنحر عدد متزايد من رؤوس الأغنام، ما دام الطلب مضمونا والبيع ممكنا بأي سعر يطلبونه. والغريب في الأمر أن الذين يتهافتون، حاليا، على محلات الجزارة، هم في الغالب من الفئات متوسطة أو محدودة الدخل، الأكثر انتقادا للغلاء وتداعياته على القدرة الشرائية. وهكذا أصبح البطن يتحكم في سلوكات فئات واسعة من المغاربة، إذ لا يمكن تبرير هذا الإقبال بدواع دينية، لأن شعيرة النحر لها شروطها وضوابطها الشرعية، التي إن تم الإخلال بها انتفى معها الجزاء. الدافع الأساسي، إذن، لهذا التدافع على محلات الجزارة ليس إحياء شعيرة نحر الأضحيات، وليس بحثا عن تقوى القلوب، بل تلبية لنداء البطن، الذي، ربما، يتم الإسراع لتلبيته أسرع من الاستجابة لنداء المؤذن للصلاة. الأمر نفسه ينطبق على رمصان، الذي يتحول من شهر الصيام والعبادة إلى موسم للأطباق والملذات، إذ تتقلص فيه الفجوة في نفقات التغذية بين الأغنياء والفقراء. ويتزايد متوسط نفقات الأسر، حسب المندوبية السامية للتخطيط، بنسبة 18.2 في المائة، مقارنة بالأشهر الأخرى من السنة، وترتفع الميزانية المخصصة للتغذية بنسبة 17.8 في المائة، خلال شهر الصيام، وتنتعش الحركة التجارية، خلال رمضان، بوجه عام، وتلك المرتبطة بالتغذية على وجه الخصوص. ورغم أن الصيام في التعريف الإصلاحي للكلمة هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، فإن الاستهلاك يرتفع، خلال هذه الفترة من السنة، بشكل ملحوظ، مقارنة بباقي أشهر السنة. ويتمسك المغاربة بإحياء طقوس هذه الشعائر والفرائض أكثر من أي عبادات أخرى، لأن الأمر يتعلق بتدين ذي صلة بالبطن.