عبد الواحد كنفاوي يتحدث عبد الإله ابن كيران، لمناسبة أو غيرها، عن القرار الذي اتخذه، خلال 2015، القاضي بتحرير قطاع المحروقات، ويصوره على أنه فتح لهذا السوق، تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الخطب، وينتشي بألا أحد غيره استطاع أن يحرر هذا القطاع من المتحكمين فيه وأن يوفر لخزينة الدولة عشرات الملايير من الدراهم، التي كانت تصرف في غير محلها ويستفيد منها بشكل أكبر الأثرياء. لكن بعدما انقشع غبار الشعبوية، التي أحاطت بهذا القرار، تبين أن رئيس الحكومة الأسبق قدم خدمة لا تعوض للمتحكمين الحقيقيين في السوق، لأن قرار التحرير اتخذ دون أن تسبقه قوانين تنظيمية تعزز المنافسة بين المتدخلين وتسمح بولوج فاعلين جدد وترفع العوائق والحواجز التي تمنع المستثمرين الراغبين في دخول هذا المجال. النتيجة المنطقية لهذه القرارات الارتجالية المحكومة بالهاجس المالي، تغول الفاعلين في السوق وتحكمهم في كل دواليبه، بعدما تم تعطيل كل آليات المراقبة، خاصة مجلس المنافسة، ما سمح للمتحكمين في السوق توسيع هوامش ربحهم وتحقيق ثروات طائلة. وأثبتت التحريات التي أنجزها مجلس المنافسة بعد تنصيب أعضائه ورئيسه، أن تسع شركات تورطت في التواطؤ على الأسعار وحققت أرباحا كبيرة، الأمر الذي لم يتم نفيه للتوصل إلى حل ودي خلص إلى أداء غرامة في حدود 184 مليار سنتيم، وهو المبلغ الذي يظل ضئيلا بالمقارنة مع ما جنته هذه الشركات طيلة سنوات الفراغ القانوني. وبعد أن كان هامش هذه الشركات لا يتجاوز درهما في اللتر، خلال فترة نظام المقايسة، التي كانت تتدخل الدولة، خلالها في تحديد السعر، أصبح يصل، حاليا، حسب تقارير مجلس المنافسة حوالي درهمين في اللتر، أي تضاعف مرتين، علما أنه لم تصدر حتى الآن كل النصوص التنظيمية المتعلقة بقانون تحرير القطاع. وهكذا، فإن القانون رقم 104.12، المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، لم يطبق منه، حتى الآن، سوى الشق المتعلق بحرية الأسعار، إذ أن هناك مواد محدودة، ما تزال أسعارها مقننة، في حين أن أغلب السلع تخضع لقانون السوق، الذي يفتقر إلى شروط المنافسة الحقيقية، ما يعطل دور آليات العرض والطلب في تحديد الأسعار بحرية تامة، بالنظر إلى وجود متحكمين في السوق يفرضون قوانينهم الخاصة. وبطبيعة الحال، فإن المتضرر الأول من هذا الوضع هو المستهلك، الذي يكتوي بالأسعار، كما أن غياب المنافسة المتكافئة بين كل المتدخلين والفاعلين الاقتصاديين يجعل المستثمرين في هذه القطاعات يعدون على رؤوس الأصابع، ما ينعكس سلبا على النمو الاقتصادي والتشغيل. إن تحرير الأسعار دون ضمان منافسة حقيقية، بمثابة وضع العربة أمام الحصان.