بقلم: يوسف العمراني* رحل عنا رجل عظيم و معه بريق حياة كرسها لخدمة الوطن، إذ أن هذا الوزير الاستثنائي والمعلم الملهم والصديق الوفي قد ترك وراءه إرثا لا يمحى من تاريخنا. اليوم، تنعي عائلة وزارة الشؤون الخارجية واحدا من أبرز ممثليها، محمد بنعيسى، رجل دولة حلق عاليا في سماء العالمية، حاملا معه مبادئ وقيم وطنه. حتى النهاية، شكل السيد بنعيسى الاستثناء. فخلال اليوم الأول من رمضان، مر موكبه الجنائزي عبر أزقة أصيلة البيضاء و الزرقاء والتي كانت شاهدة على الإعجاب و المحبة اللتين لطالما خلفهما هناك. و حضر في ذلك الموكب الجنائزي عدد غفير ممن أحبوه من إدريس جطو (الوزير الأول السابق) إلى ناصر بوريطة ( الوزير الحالي للشؤون الخارجية)، مرورا بنزار بركة (وزير التجهيز و الماء) ونبيل بنعبد الله ( وزير الإسكان السابق) و السيد إدريس الضحاك. رجل الإنصات توقفت أصيلة حيث ظل رئيسا لمجلسها البلدي حتى الرمق الأخير من عمره لتخصص له تكريما مؤثرا مرددة اسمه بكل احترام و مودة. لم يكن فقط منتخبا مثل الآخرين بل كان رجل إشعاع على جميع المستويات، و مع رحيله، لم يخلف مجرد حزن، بل فراغا هائلا لايفرضه على العالم سوى العظماء. لم يكن الكاباييرو (الرجل الشهم) كما يحلو لأصدقائه المقربين المناداة عليه محبا للحياة فقط، بل لعوالم عدة عاش من خلالها في ميادين الثقافة مرورا بالشؤون الخارجية ثم الشأن المحلي بمدينته أصيلة، و التي أثبت من خلالها عن جدارته بالمناصب التي تقلدها باستحقاق. وقد تميز الراحل بميزة نادرا ما ينعمها الله على أشخاص في هذا المستوى من المسؤوليات المتباينة، ألا وهي ميزة الإنصات والتي جعلت منه رجلا يحظى بالإجماع. كان السيد بنعيسى دبلوماسيا خارقا للعادة و متعدد المهارات، حيث كان يقود الاجتماعات الأكثر صعوبة و تعقيدا مع مختلف شركائنا بطريقة سلسة والتي يعرف هو فقط مكامن سرها. وقد حظيت خلال زياراته لأمريكا اللاتينية بشرف مرافقته و الاستمتاع عن قرب بتألقه، حيث تظهر سلاسته في التعامل مع رؤساء دول المنطقة الذين يستقبلونه لساعات عديدة بمختلف قصورهم الرئاسية، عن مدى الكاريزما التي يتمتع بها هذا الرجل، والذي كان يتوفر على معارف هائلة في مجال التحليل الجيوسياسي مرورا بالفن والموسيقي الإسبانية ومجالات أخرى. وهذا ماجعله ينسج علاقات إنسانية وطيدة في إسبانيا مع كل من خوسي لويس رودريغيز ثاباتيرو وميغل أنخيل موراتينوس وآنا بالاثيو حيث تجاوزت كل ماهو مهني، وذلك بفضل إتقانه الجيد لللغة الإسبانية كذلك. الحوار والتواضع شكلت جاذبيته على المستوى الشخصي سلاحا دبلوماسيا فعالا، حيث كان له نفوذ واسع على أعلى مستوى كما كان الحال في إفريقيا، وهي قارة يعرفها جيدا بحكم اشتغاله وهو شاب بكل من أديس أبابا و أكرا حيث ازداد ارتباطه بهذه القارة خلال مساره و خاصة بعد ازدياد ابنته البكر، شافية بأديس أبابا. ولم يكن الراحل واعيا فقط بتنوع إفريقيا بل أيضا بخصائص الأفارقة. لقد كان بنعيسى رجل علاقات وطد بعضها مع أصدقاء مقربين من حجم ليوبولد سنغور و كوفي عنان والشيخ تيديان غاديو و مصطفى نياس، والذين أظهروا له دائما احتراما خاصا، حيث كان العنصر البشري شيئا محوريا في كل مايقوم به السيد بنعيسى. و بالرغم من أنه كان يبدو في بعض اللحظات منزعجا من صرامة نقاط الحوار لكنه كان يعرف أهميتها حق المعرفة، حيث أتذكر أنه كان دائما يطلب مني مراجعة كتاباتي وخطاباتي بتمعن من طرف السيد الطيب الفاسي الفهري والذي شكل معه ثنائيا قويا على رأس الدبلوماسية المغربية. وقد كان الكاباييرو رجل حوار و تفاعل، قريبا من الأشخاص و يولي اهتماما خاصا لمحاوريه كما يستشير طاقمه بكل تواضع. وهنا تحيلني الذكريات على وجبات الغذاء التي كانت تجمعنا به بصفتي مديرا عاما للوزارة و السيد فؤاد يزوغ (بصفته مديرا للاتصال آنذاك) حيث شكلت تلك اللحظات فرصة أيضا لكي يتقاسم معنا وجبات طاجين مغربي بالخضر و السمك اللذيذ والتي حرصت عائلته الكريمة على تحضيره لنا بكل حب. مع مرور السنين، أتذكر دائما شيئا أساسيا ألا وهو أن السيد بنعيسى كان مواطنا استثنائيا لم يدخر جهدا من خلال مختلف مهامه في خدمة العاهلين، جلالة المرحوم الحسن الثاني وجلالة الملك محمد السادس، حيث وضع الدفاع عن قضايا الوطن ووحدته الترابية في صلب انشغالاته. لقد كان يتتبع بشغف رهانات بلده في جميع المجالات (السياسية و الدبلوماسية و الاقتصادية)، مواكبا ديناميات تلك الفترة بقوة إقناع و إنصات حقيقية. وقد كان الراحل حاضرا في جميع المواعيد الهامة حيث تألق سفيرا بواشنطن وأصبح أنذاك مخاطبا بارزا بالنسبة لكل من وزارة الخارجية والكونغرس بالولايات المتحدة. وبحكم درايته الدقيقة بالرهانات العربية والتي كان يلعب دورا هاما فيها، أصبح الجميع يلجأ إليه للاستشارة بهذا الخصوص وينصت له بإمعان عندما يتعلق الأمر بإجراء دبلوماسي أو رسالة أو تحليل يود مشاركته. وقد كانت علاقته الشخصية مع مادلين أولبرايت تتسم بالود والثقة المتبادلتين امتدت إلى ما هو أبعد من وظيفتهما الوزارية لتشمل تعاونهما الوثيق داخل مركز أسبن (مركز الأبحاث الأمريكي الشهير)، كما أن وجوده عضوا ضمن مجموعة مختارة بعناية لوزراء خارجية سابقين في منتدى «سير بني ياس» في دولة الإمارات العربية المتحدة يدل أيضا على هذا القرب من العديد من القادة العرب. لقد كان الراحل يلهم الصفاء والصبر والحكمة ، حيث غالبا ما كان يتوصل للحل الوسط أثناء المفاوضات، دون أن يضطر في الحقيقة إلى تقديم أي تضحيات. لأنه كان ماهرا، فقد استغل هذه الميزة لكي يذهب دائما بالمفاوضات مع شركائنا إلى ما كان يصبو إليه، و مبتعدا عن المناورة، فقد كان الراحل مقتنعا بأن الدبلوماسية هي فن التأثير حول مشروع مشترك فيه فائدة للجميع. وقد كانت لديه أيضا براعة نادرة لإيجاد حلول للوضعيات الأكثر تعقيدا و لبناء جسور الحوار. وستظل استقامته و سرعة بديهته راسخة في أذهاننا، حيث كان الراحل مفكرا صارما و سياسيا شغوفا و ديمقراطيا عنيدا وفنانا في وقت فراغه كما أنه يتوفر على حس عال بالجماليات وغالبا ما يتداخل رسمه السياسي مع قدره الثقافي. متوسطي أصيل في مسقط رأسه، جعل السيد بنعيسى من مؤسسة منتدى أصيلة والتي كان يترأسها منصة للتعبير الحر ومكانا مميزا للحوار العميق. ولم يكترث الراحل أبدا للشكليات، متطرقا كل سنة لأهم مواضيع الساعة كما يحلو له التذكير بذلك، و من بينها القضية الحساسة المتعلقة بالحدود في أفريقيا، والنخب العربية في المهجر، والحركات الدينية والمشهد السياسي، فضلا عن قيم العدالة والنظم الديمقراطية. باختصار، كان السيد بنعيسى رجلا متوسطي الروح، عطوفا وجذابا وذا صوت مسموع وشخصية ملهمة، مشبعا بحب ثابت للوطن ومتميزا بحس عال للمسؤولية تجاه الدولة، كما أنه كان ودودا و مهذبا ومتحفظا ومتواضعا و وسيطا ناجعا بالإضافة إلى أنه كان شغوفا بعمله دون كلل. لكل هذا ولأسباب لاتعد و لاتحصى، لن يحزن عنه الجميع فحسب بل سيستحيل نسيانه، خاصة بالنسبة لمن حظي بشرف التعامل معه. * سفير المغرب بالولايات المتحدة الأمريكية